غطاء صوفي ثقيل
إلى الحبيب/ حفيظ الحاج
أهدي هذا النص
(1)
الساعةالآن العاشرة مساء وأنت محشو داخل غطائك الصوفي الثقيل، على سريرك المهترئ في باحةالمنزل، توزّع نظراتك بين شاشة هاتفك البطيء وصفحة السماء الصافية. فضاء المكانحولك ساكن ولا أثر لأي شيء. تسمع صوتاً خفيفاً ومتصلاً يأتيك من مكانٍ ما، تتّسع أذناكلتحديد موقع الصوت. والذي كان متناغماً ويتكرّر بطريقة منتظمة، تضع هاتفك برفق تحتالوسادة، وتستدير نصف استدارة، تُنصت بشدة وأنت تحاول تتبع مصدر الصوت. تستغفرالله العظيم وتحوقل، تبلتع ريقك بصعوبة وتُهمهمْ بقراءة أية الكرسي... تفكِّر أنتوقظ الشخص النائم بقربك وتتراجع عن ذلك سريعاً، تستجمع قواك الخائرة، وتزيحالغطاء الصوفي عنك.. تجلس في منتصف السرير، تلتهم ما حولك بحدقات عينيك المتسعة،وذهنك المتحفّز، تتنفّس ببطء، وقلبك يكاد يخرجُ من مكانه. تضع قدمك اليمنى على الأرض برفق، وتتبعها اليسرى بخفة. الصوت النابعمن السرير المهترئ يزعجك؛ فتطبق على أسنانك بقسوة. تحدّد مكان الصوت، تتحرك على أمشاطأصابعك كلصٍّ يتحفز لأخذ غنيمة.
الصوتما زال رتيباً ومنتظماً وخفيفاً، إنه يأتي من الحمام المغلق هكذا غلب ظنك. كلمااقتربت منه اتّسعت عيناك حتى كادتا تخرجان من مكانهما، دقات قلبك تزداد ارتفاعاًكدوي طبول إفريقية.
أنتالآن على بعد خطوات من الحمام، يسري خدر خفيف في جسدك، تتعرق، وتحافظ بجهد عال علىمستوى تنفسك. تدفع الباب برفق، لا شيء غير الظلام القاتم، تمد يدك المرتجفة نحومفتاح الإنارة. ينتشر الضوء في أرجاء الحمام، فتبدو الأشياء أمامك واضحة، ملابسكالقذرة التي غيرتها صباح اليوم، قطعة صابونة بائسة اهترأت من كثرة الاستخدام،وصنبور ماء قديم به تسريب خفيف.
(2)
فورانتهائك من المكالمة مع صديقك العائد لتوّه من السفر، والذي يسكن في القريةالمجاورة، أخبرت والدتك بالذهاب إليه بعد المغرب لشرب الشاي.
لميكن الفارق الزمني كبيراً بين المكالمة وخروجك. والذي جاء مبكراً؛ كي لا تتأخرعنه. اخترقت الشوارع بخفة، حتى وجدت نفسك أمام منزله. جلستما وسط بهو منزلهمالواسع تتبادلان الحكايات والضحكات.
ودّعتهوخرجت متجهاً نحو دارك، مثبتاً سمّاعة أذن، تسمع من خلالها إلى لحن هادئ يناسبهدوء الطريق، والذي بدأ خالياً من أي أثرٍ للحياة، لتمتد أمامك مساحات مهولة منالرّمل والظّلام، وأنت تنسلُّ عبرها خفيفاً كنسمةٍ بين الأشجار . منتشياً في سيرك،لا تشعر بما حولك. نداء هامس يأتيك من مكان ما، ويدٌ خشنة حطت على كتفك. نَزعتْسماعة الهاتف بقوة، واستدرت بذعر... لم تر شيئاً. نطقت الشهادتين بسرعة، بحثت عنلعابك لتبتلعه... جف حلقك وانعقد لسانك. تَلفّت بخفة في كل الاتجاهات، محاولاًالتحكم في جهازك التنفسي. قلبك يخفق بقوة، يكاد يخترق قفصك الصدري. تتأكد أنه لايوجد شيء، تتحرك خطوات حذرة إلى الأمام، تسمع أصوات خطوات من خلفك، تتوقّف مكانك،وبذات الهيئة التي كنت تسير عليها ولا تحاول تغييرها، فارداً يدك اليمني إلىالأمام ومؤخراً يدك اليسرى إلى الخلف تميل بجسدك للمقدّمة، تُرهف سمعك، وتحرّكرأسك إلى جهة اليمين تارةً، وإلى جهة اليسار تارةً أخرى، ولا تسمع شئياً.
تتحدث بصوت مسموع (من أنت... من أنت.. منأنت..؟!) تضيع كلماتك المرتعشة في الفراغ، ويمتلئ قلبك بالحيرة. تتحرك مجدداً ولكنبسرعه أعلى، تزيد من معدل خطواتك... يزداد الصوت الذي خلفك، ووقعْ الخطوات. تركضبشدة، مصوباً نظرك إلى الأمام، لا تلتفت وراءك، تخترق الشوارع كسهمٍ طائش، وتستقرعند باب دارك مبللاً بالبول والعرق. ترتجف كطائر نزلت عليه أمطار، وتنام ليلتكوالليالي التالية، وأنت تتقرفص داخل غطائك الصوفي الثقيل، رغم الجو المعتدل، يوقظكطنين البعوض مذعوراً، وتنكمش على نفسك عندما تسمع أصوات الضفادع.
(3)
فيالخامسة من عمرك، وعند سقوط الشمس في حِجر الفضاء الأخير؛ كنت أنت ومعك سبعة أطفالتلعبون قرب النهر، لا تكترثون لانفلات الوقت من قبضة حرصكم، فقد أدمنتم الطينوتسلق الأشجار كالقِرَدة، تطيرون مع الحشرات الصغيرة وتزحفون مع ديدان الأرض.تركضون حفاة ونصف عراة، وتصرخون كهنود حمر تحلقوا حول النار راقصين.
أشارأحدكم إلى جهة النهر، إلى حيث الدخان الذي انسلّ خفيفاً من بين الأمواج، ليرسمأشكالاً مرعبة على صفحة السماء، وكأنّها شياطين خرجت من جوف النهر. أمسك بعضكمالبعض وأنتم محلّقين في الدخان المتزايد، بكى أحدكم وهو ينادي أمّه، وتبوّل آخر فيسرواله، وصرخ آخر بذعر وهو يتحرك في مكانه بهيستيريا... أما أنت فقد أرخيت فككالأسفل ذهولاً، ووقفت بلا حراك وبلا بكاء،. تَحنّط في هذه اللحظة ذهنك الرطب، وأنتتُثبّت نظرك على مصدر الدخان الذي بدأ يتصاعد، ويتشكّل في أشكال غريبة ومخيفة.الأطفال يحثّون بعضهم البعض على الركوض، يجر كل واحدٍ منهم الآخر، وأنت صامد وصامتفي مكانك تراقب الدخان المتصاعد.
هربالأطفال وبقيت وحدك هناك، للظلام، والرطوبة، والدّخان الذي بدأ ينتشر أكثر فأكثر.وفي غمرة تركيزك وصمودك أمام هذا المشهد الغريب، والذي اختلط فيه الدخان بالظلام،بدأت ترتفع ألسنة من النيران، كُنت تراها وهي ترسم لوحةً غريبة على صفحة الماء، ثمتنامى إلى سمعكَ أصوات استغاثة، ترتفع شيئاً فشيئاً.
دائرةالنيران تتسع أكثر فأكثر، ترتفع إلى أعلى، مُشكّلةً لوحة ضخمة ومهيبة.
تُحدّثنفسك بالهروب، ورغبةً مُلحّة بداخلك للصمود أكثر، تتلفّتُ يمنةً ويسرى لا شيء غيرالظلام الكبير وأصوات الصراصير. بدا لك أن شيئاً في الماء يتحرك بسرعة، هممتبتحريك قدمك اليمنى وجدتها متسمّرة في مكانها، قاومت لتحرّك يديك وجدتهما ثابتتين،حاولت أن تُخرج كلمة واحدة؛ تجمّدت الكلمات في فمك، لا يتحرك منك شيء سوى عينيك.
الدمُباردٌ في عروقك، ونملٌ يسري في جلدك من الخدر.
نداءيأتيك من الخلف، لا تستطيع الالتفات له، ويدين يحملانك بسرعة، وأنفاس لاهثة تمرعلى وجهك، لا تسمع منه شيئاً رغم أن شفاهه تتحرك.
حملكذلك الشخص وغاص بك وسط الأشجار الكثيفة والمتشابكة، حتى خلصَ بك إلى البيوت. ألقىبك على الأرض، أمام منزلك تحديداً. حافي القدمين، مشوّشاً، تتلفت حولك برعب.
ومنذذلك اليوم وأنت تشاهد الدّخان في كل مكان، تسمع أصواتاً تستغيث، ونيراناً تشتعل فيجوف الظلام، وأصوات خفيفة لا تعرف مصدرها، ونداءات متكررة.
التعليقات