في البدء كانت الحكاية (عن سرادق عزاء أزرق)

نُشر بتاريخ 1447‏/08‏/09


في زمن ليس كزمننا هذا، وفي مكان ليس كالأماكن التي نعرفها في عصرنا، كانت الحكاية!


في سرد مخلص للأصالة، يطوف بنا عثمان الشيخ في حكاياه عن ذاكرة منسية، وذكريات كادت أن تندثر، مضيفاً إليها سحراً فتبدوا وكأنها حكايات من عالم آخر. قراءتنا في مجموعة سرادق عزاء أزرق هي محاولة ربط هذه القصص المختلفة في لونها والمتنوعة في أساليبها والمتجددة في موضوعاتها؛ في خيط ناظم يبدوا أحياناً فنقبضه بالأيدي ويختفي حيناً خلف السطور. 

ويبدوا لي أن الخيط الناظم في المجموعة أمران يكملان بعضهما، هما قص الحكايا ومقاومة النسيان وأزمنة الحداثة.

يوظف الكاتب قصصه بإحترافية تامة، غارقاً في دهاليز ذاكرته المليئة بالحكايا والقصص؛ ليخلد قريته في كون شاسع آفته النسيان، إنه يحول أحداثاً عادية إلى بطولات خارقة في وقت اللابطولات، وينبت من الأرض الجدبة ألف سنبلة. 

الإبداع يبدأ عندما نُخلص لذواتنا وقصصنا الخاصة التي كونت وجداننا، إننا وبطريقة ما نشارك هذا العالم فهمنا لأنفسنا وفهمنا له بلغة سردية جذابة، تماماً كما خُلدت في ذاكرتنا مائة عام من العزلة.

في سرادق عزاء أزرق، يُضمن الكاتب الحكايا والتي هي إذا أردنا أن نفرقها عن القصة؛ فالأولى موروث شعبي -وليس نتاج مخيال فردي- تتوارثه الأجيال مشافهة كابراً عن كابر، والقصة اشتغال فردي وكلاهما يحويان مبادئ السرد. 

المهم أن صديقنا عثمان الشيخ قص علينا الحكايات. فهو يستدعي مقولات شعبية مثل: ( الخميس خميسك لو تبيع قميصك) ويعالجها بطريقته الساخرة خالقاً حولها قصصاً لم ولن تحدث أبداً! 

لننظر في قصته “ألبرت اينشتاين في قريتنا” يشير إلى أن اهتمامات المجتمع ونظرتهم لأشياء صغيرة كشراء حذاء جديد هو فعل يأخذ أسابيع من التفكير والذهاب والأياب، وصانع الأحذية يصبح مركز الإهتمام، فيحاول أن يتقن عمله ليشار إليه في كل مرة، والنعيم ـ بطل القصة – أراد أن يعلوا قومه بهذا ” المركوب الأصلي” الذي لا يقل عندنا في الحاضر عن شراء سيارة آخر موديل، لكن الأمر عندهم حدث يغير نظرتهم له، وللصانع، ونظرته هو لنفسه وللاخر. بينما شراء سيارة اليوم حدث شبه عادي.

إذاً فقد كان في البدء الحكاية، ثم مع الزمن تحولت إلى القصة والرواية، ولكن مع أزمنة الحداثة تكاد تختفي الحكوات فيسترد عثمان الشيخ مجدها رغم أنف النسيان.

Comments 0

التعليقات

الاسم صحيح
الاسم مطلوب
التعليق صحيح
التعليق مطلوب