لماذا تفشل المشاريع رغم الخطط المثالية؟

نُشر بتاريخ 1447‏/09‏/03



{لم يكن مشروعًا فقط… كان حياة كاملة تعلّمت فيها معنى الفوضى حين تحاول ترتيبها، ومعنى الجمال حين يولد في أصعب اللحظات، ومعنى الألم حين يشدك نحو النضج، ومعنى النهوض حين ترفض أن تبقى حيث سقطت.‏}

الكتاب صفحة 116

اكتشفت بالصدفة في مكتبة تطبيق أبجد كتاباً غريب العنوان وطويلاً قليلاً: العنوان الرئيسي (لم يكن مشروعاً فقط)، والعنوان الفرعي التفسيري (من الفوضى إلى الإنجاز)، والعنوان التفصيلي (رحلة إدارة المشاريع من الميدان إلى القيادة). الكتاب من تأليف الكاتب غسان سعود برنجي*، وصادر عن دار النشر مركز الأدب العربي للنشر والتوزيع.

وَقفَ طُول العُنوان حاجزًا بيني وبينه؛ ترددت قليلاً قبل الفتح، فالعناوين عادةً ما تكون قصيرة وموجزة وجاذبة. لكنّ فُضول القارئ، وحاسّة المهندس، وروح المُغامر جعلتني ألتقط الكتاب. قرأت الصفحة الأولى، ثم تلتها التالية، حتى وجدت نفسي أقرأ دفعة واحدة إلى نهاية الكتاب.

مع أنّي لستُ من أنصار القراءة دُفعةً واحدة في جلسة واحدة؛ فالكتب بناتُ ذَوات يُتوسّل إليهن كل حين. لكن هذا الكتاب كان يَجُرّني إلى نهايته. (لم يكن مشروعًا فقط) كتاب عن إدارة المشاريع ولكنه ليس محشواً بالمصطلحات المعقّدة والمُلغزة، بل يَضمّ حكايات الفشل قبل النجاح، الهَمس قبل الجّهر، الصّمت قبل الكَلام، الثّقة قبل المحاسبة، المُكافأة قبل العِقاب، الإنسان قبل المستندات، والوضوح قبل الغموض وهَمسُ المكاتب.

هو كتاب عن القرارات التي تغيّر شخصية المدير قبل مسار المشروع، وحكايات الفشل التي يكسب فيها الإنسان قيمته قبل الأرباح. كُتب من وحي الواقع، ومن الميدان، ومن وحي الاجتماعات ذات الكُرسي الواحد الفارغ، والهدوء الحذر، والمطبّات الإدارية الحرجة -ولم يُكتب كأحد كتب الـPMP أو نظريات الإدارة الرشيقة والدورات الورقية المألوفة-.

تَسّمع في الكِتاب الأنفاس المُتسارعة قبل اتخاذ القرار، وتَرى العُيون القلقة لحظات الانتظار، وتشم رائحة القهوة التي لا يشربها أحد انتظاراً لكلمة مدير المشروع: الاستمرار أم التوقف أم تغيير الخطة الزمنية.

من واقع تجربتي المتواضعة في إدارة المشاريع، تمنيت لو قرأ هذا الكتاب من هم معي - على كل المستويات الأفقية أو الرأسية-. حيث تطابقت كثير من المواقف التي مررت بها مع مواقف ذكرها غسان؛ فالمشاريع هي نفسها في أي مكان وزمان؛ فدورة حياة مشروع محطة وقود أو برنامج تقني تتقاطع في جوهرها وتحمل ذات المشاكل والعقبات وطرق النجاح.

فنجاح أي مشروع أو فشله لا يتوقف على الجدول الزمني فقط، بل على الانتباه للعامل البسيط، للموظف الصامت، والمهندس صاحب الاقتراحات الهادئة، أو رجل الظل الذي إن غاب تعثّر المشروع كله.


❞ تذكّر دائمًا: في كل مرة تبدأ مشروعًا، أنت في الحقيقة تبدأ نفسك من جديد. كل تحدٍّ تكسره، يكسر داخلك باباً نحو معرفة جديدة. كل سقوط تمر به، ينحت فيك طبقة من الصبر والقوة. وكل فشل تتجاوزه، يزيل عنك ثقلًا لم تكن تدرك أنك تحمله.‏ ❝ الكتاب صفحة 116


يتجاوز الكتاب مئة صفحة بقليل، مكتوب بطريقة سردية رشيقة ومباشرة، بلغة نظيفة ومؤثرة وملهمة. لا يصنع من المصطلحات الإدارية جبلًا عالياً، ولا يتحول إلى أرضٍ مُسطّحة من القصص الباهتة؛ بل يكتب من الميدان كما وعد على غلافه. لم يُدوّن عن الانتصارات فقط، بل عن الفشل، والتوتر، والقلق الذي يسبق القرار، عن قرارات ودروس لا يعرفها إلا من عاش مثل هذه التجارب.

هذا الكتاب مهم لكل مهتم بإدارة المشاريع -طالبًا كان أو مُدرّباً- ولكل مدير جديد لم يكمل مهامه الأولى بعد، وكذلك للمخضرمين الذين عاشوا سنوات في ضغط المشاريع. هو مفيد لكل باحث عن تجربةٍ ذات مغذى ومعنى، لا مجرد تنظيراتٍ سطحية. ولكل مهندس ومدير وإداري في منظومة عمل جديدة أو قديمة، سيكون لهذا الكتاب قيمة عملية واضحة.


*غسان سعود برنجي:

(قائد سعودي في إدارة المشاريع والتحول الرقمي، جمع بين الخبرة الميدانية العميقة والرؤية القيادية الحديثة. يمتلك خبرة تمتد لأکثر من عشرين عامًا في قيادة مشاريع وطنية في قطاعي التعليم والتقنية، وتشغيل منظومات رقمية واسعة تخدم مئات الآلاف من المستفيدين في المملكة.‏ ) الكتاب صفحة 4

Comments 0

التعليقات

الاسم صحيح
الاسم مطلوب
التعليق صحيح
التعليق مطلوب