تاريخ جديد للأدب

نُشر بتاريخ 2025/02/06


 

  

 
لم يدهشني فنّ مثلما أدهشتني القصة القصيرة، بمراوغتها ومخاتلتها وأساليبها التي لا تنتهي ولا تُمل؛ فكلما فغرت فاهي إعجاباً بكاتب ما، حتى اتسع لكاتبٍ آخر، وكلما أسكرني نص بلذيذ عوالمه وشهيّ سرده، حتى وجدت آخر أكثر إسكاراً منه، ولعل أعجب وصف للقصة القصيرة ما قاله الكاتب البريطاني ستيفن كينغ حينما قال: (القصة القصيرة شيء مختلف تماماً إنها مثل قُبلة في الظلام من شخصٍ غريب) 
لا أستطيع أن أحصي القصص القصيرة التي قرأتها، ولا عدد الكُتّاب الذين قرأت لهم، ولا أستطيع أن أحدد بدقة أيهم أفضل من الآخر، ولكن عَلق بذهني عدد قليل منهم، كالسوداني أحمد أبو حازم ومجموعته القصصية الرفيعة (يناير بيت الشتاء)، والعراقي ضياء جبيلي ومجموعته البديعة (ماذا نفعل بدون كالفينو)، والسعودي عبد اللّه ناصر ورائعته (العالق في يوم أحد)، والإسباني خوان خوسيه مياس صاحب المجموعة القصصية العظيمة (الأشياء تنادينا). وكلما صوّرت لي ذائقتي المتواضعة أن هنا نهاية المطاف وما بعدها ملل؛ حتى أكتشف كاتباً جديداً، يعيدني إلى جادّة الحماس للقصة القصيرة.  

ولعلّ الذوّاقة من القُراء هم من يكتشفوا القصص الجيدة والقصّاصين المميزين، ومنهم القاص السعودي عبد اللّه ناصر. فبإشارة منه إلى قاص ما لم أحفظ أسمه حينها، ولكن علق في ذهني اسم كتابه (النمر العاشب)، التقطت إشارته ومضيت لحال سبيلي. ولأنّ في ذهني مكان مُخصص لا يتنبّه إلا للأشياء الجيدة -وإن لم يتفاعل معاها بشكل لحظي-، وما أنتمرّ أيام إلا يُعيد عليّ تذكّر ذلك الاسم.  
"النمر العاشب" يا لهذا العنوان المجنون، فقد انشب بمخالبه في ذاكرتي، كنسرٍ عنيد، وبات يدغّدغني ويلحّ عليّ ولا أجد سبيلاً له.  ذاك النمر الذي قفز من أحراشه إلى شاشة الـ Tap خاصتي، وبفضول القارئ العجول حملتُ المجموعة القصصية، فوجدت فيهاما لم أجده في مكان آخر، سرد مبتكر ولغة رشيقة ولسعات حادة وحارقة، تجعلك تتمرّغ في فلاة السرد مستمتعاً.  (النمر العاشب) للكاتب المغربي عبد القادر وسّاط، (نصوص سردية) هذا الوصف الذي وجدته على غلاف الكتاب، ولا أدري أهي فذلكة كتابية جديدة أم تحايل على عدم تسّميتها بقصص قصيرة، ولكني تعاملت معها كقصص قصيرة. 
 صدرت عن دار أثر في 112 صفحة من القطع المتوسط. النصوص -والتي أصر على التعامل معها كقصص قصيرة- غير قيمتها الفنية الرفيعة، فهي أيضاً تحمل قيمة ثقافية عالية، فكل نص مُعنّون باسم واحد من المبدعين إما كاتباً، أو رسّاماً، أو شاعراً، بلغ عددهم ثلاثة وخمسون. يستلف فيها عبد القادر وسّاط قبساً من سيرهم ليخلق أسرودة قصيرة لنقرأ مثلاً:  

 "رأى أنطون تشيخوف، فيما يرى النائم، أنه في الوقت نفسه طفل في السادسة، وشاب في الخامسة والعشرين، وكهل في الأربعين"، أو رأى فرانز كافكا، فيما يرى  النائم، أنه يشتغل بشركة هاراكو للتأمين، بشارع نيرودوڤا، بمدينة براغ، وأنا لمديرة الجديدة للشركة – التي لم يقابلها بعد – أمرت باستدعائه فورا إلى مكتبها بالطابق الثالث"، أو "رأى عبدالله ناصر، فيما يرى النائم، أنه دخلَ مسرحَ الرأس الذهبي، بمدينة ليون الفرنسية، لمشاهدة مسرحية «المُغَنّي التمتام» قبل بداية العرض بقليل، مالت عليه المرأة الجالسة بجانبه وسألته هامسة: 
-هل صحيح أن الممثلين سيطلقون الرصاص على المشاهدين، في نهاية هذه المسرحية؟" .
 

هذه المجموعة القصصية أو "النصوص السردية" إن لم تمنحك سرداً جديداً فستمنحك "كتالوجًا" رفيعا لعدد من الكُتّاب الذين لم تسمع بهم من قبل؛ مما يُدغدغ عندك حاسة الاكتشاف لتبحث عنهم.وإن لم تمنحك ذلك، فستمنحك تقنيةً كتابية جديد تستلهم فيه شخصيات سردية قديمة، تمت إعادة توّظيفها في نصوص سردية جديدة. وإن لم تمّنحك ذلك فستقدّم لك كاتباً واسع الحيلة والاطلاع، استطاع بثقافته الرفيعة أن يجمع لك العالم كله في كتاب، يكتب تاريخ الأدب بهذه الرشاقة. هذه غير سيرة المكان الذي تشكّل جزء أصيل من ثقافة النصوص لديه، فأي كاتب من أبطال قصصه لأبد أن يَذكر مدينته التي يعيش فيها أو الشارع الذي يتحرك عبره، أو المقهى الذي يجلس الذي يشرب فيه قهوته المسائية، وبذلك تتكوّن لدى القارئ ثقافة مكانية عظيمة. فمن يقرأ عناوين النصوص فقط يعرف المدى الواسع الذي يتحرّك فيه الكاتب، تجد أسماء مثل "فرانز كافكا، إميلي برونتي، نجيب محفوظ، ڤان جوخ، صامويل بيكت، محمد شكري وغيرهم". 
  

 هذا فتح سردي عظيم، وكتابة تستحق أن تُقرأ، ونهج كتابي يُحيلنا إلى كثير من الأسئلة التي تطرح في هذه الفترة التاريخية من عمر الكتابة عن ماهية الأجناس الأدبية وحدود تداخلاتها ومقرؤيتها في صياغ الحدود المعروفة؛ فالقصة لها طريقة كتابة لا تتجاوزها، والرواية لها أُطر يُصِر مُنظّروها على التمسّك بها وهكذا. ولكن دايماً ما يتجاهل الجميع عنصر أكثر أهمية وهو عنصر المتعة والذي حققته النمر العاشب بإمتياز. 

 

Comments 0

التعليقات

الإسم صحيح
الإسم ملطوب
التعليق صحيح
التعليق ملطوب