حكاية صديقي الذي أحرق مُسودّتيه

نُشر بتاريخ 2025/03/26


حكاية صديقي الذي أحرق مُسودّتيه
أو 
ماذا تفعل الحرب بالكتابة؟.


(1)

لن أنسى، في الأسبوع الأول من الحرب، وبعد أن فقد السودانيون كل شيء: حياتهم، منازلهم، ومعاشهم؛ أرسل لي صديقي مُسوّدتين لقصص قصيرة لم يتعجّل في نشرهما من قبل، لانشغاله بأمور حياتية ووظيفية أخرى. أوصاني بأن أقوم بنشرهما إذا مات أو حدث له شيء. كان هذا أكثر أمر مؤثر حدث لي مؤخرًا. دُهشت وأنا أقرأ النصوص؛ لم تكن هناك قطرة دم واحدة ولا صرخة ولا خاطرة حزن. بفعله هذا، كان يُدرك أنه ربما يفقد حياته أثناء الحرب، سيتذكره الناس لعام أو اثنين أو ثلاثة، ومن ثم يُنسى. سيحزن عليه أهله وجيرانه وأصدقاؤه فقط، وستكون سيرته هي ما يدور بين هؤلاء، وبقاؤه في ذاكرتهم مرهون بأحداث قصيرة وروتينية معهم. لكنه أراد أن يَخلد؛ أن يُوصل صوته، وأن يقول: "أنا هنا وقد ضيعتني الحرب".


(2)


لم يشتغل مشروع كتابي في العالم عن الحرب مثلما اشتغلت الكاتبة البيلاروسية سفيتلانا أليكسييفيتش، والتي قالت عنها لجنة نوبل: "ابتكرت نوعًا أدبيًا جديدًا، تجاوزت القوالب الصحافية ومضت قدمًا في نوع ساعد آخرون في ابتداعه". هذا النوع المقصود كان للحرب فيه نصيب كبير، ولعل مقولتها الخالدة "في الحرب، لا يوجد أبطال؛ الجميع ضحايا" تعبير دقيق عن تلك الحالة. فرغم أن الحقبة التي كتبت عنها انتهت، وعاد الجنود محمّلين على توابيت الزنك، إلا أن ما كتبته ظل شاهدًا على فظاعة وقسوة ما عانوه. والعجيب أنها اختارت زاوية كتابة مميزة وهي وجهة نظر الفاعل الذي افتعلها - اي الاتحاد السوفيتي- وجنوده الذين تأثروا؛ مما جلب عليها سخطًا كبيرًا، تعرّضت فيه لمحاكمات طويلة انتصرت فيها. وهي التي لم تفعل شيئًا سوى الكتابة، فخلدت كتابتها وأصبحت وثيقة إدانة وشهادة للتاريخ.


(3)

منذ الرابع عشر من أبريل من العام 2022م، يخوض السودانيون حربًا ضَروسًا مسّت كل مناحي الحياة هناك (اليومية، الاجتماعية، الفكرية، الثقافية، الدينية، السياسية...إلخ). ليس تجاوزًا للمناحي المشار إليها بين الأقواس، ولكن لأكون أكثر دقة، ولأن هذا المجال الذي أعرفه جيدًا، فسأشير إلى الحياة الثقافية هناك، تحديداً من جهة الكُتّاب والكتابة.


العارف بجغرافيا وخارطة الثقافة السودانية يعرف أنها مركزية، أي أنها تتمركز في العاصمة الخرطوم بشكل أساسي مع إشراقات هنا وهناك في بقية المناطق (وأظن أن كل الدول العربية تشّترك في هذا الأمر). تستمد هذه المركزية قوتها من هذا المركز، وتتمظهر في أكثر من جانب؛ فهناك دور النشر والكُتاب وأندية القراءة والمؤسسات الثقافية الكبرى واتحادات الكُتاب بمسمياتها المختلفة -الرسمية منها والشعبية- إضافة إلى الجهات التي تَسند المجتمع الثقافي مثل الإعلام والمسارح ودوائر الحكومة والمال. يعزز ذلك كله الكثافة السكانية والنوعية التي تتجمهر هناك. وتجدر هنا الإشارة إلى أنه قلّما أو نادرًا ما تجد فروع لهذه المكونات الثقافية خارج العاصمة، مع تثبيت وجود أنشطة لها في بقية المناطق. السؤال هنا: ماذا حدث لها بعد أن دارت الحرب في الخرطوم نفسها؟ ومن المهم هنا أيضًا القول إن أرض السودان لم تنفك منها الحروب؛ فالسودان الذي خرج من جراحات الاستعمار في العام 1956 ظل في حالة حروب متكررة في كل أطرافه أفقدته الناس والموارد والأمن، ولا تزال مستمرة. وما حرب الخرطوم الأخيرة بأعز من الحروب السابقة، ولا يوجد أفضلية حزن على غيرها.


(4)

يمكن القول وبشجاعة أن كل المكونات الثقافية تضررت بعد أن فُقدت كل مظاهر الحياة في الخرطوم، مع بعض المحاولات الجادة لإحياء النشاط في المناطق الآمنة الأخرى، وفي خارج السودان. أما المكوّن الأساسي للمنظومة وعمودها الفقري، والمستهدفين بهذا المقال وأعني هنا الكُتّاب؛ فتشتتوا في أصقاع السودان وعواصم المدن خارجه، فما بين من نزح، ومن هاجر، ومن صمد. هذا التشتّت بلا شك سيؤثّر على إنتاجهم الكتابي، الذي لم يتوقّف، ولكن مؤكد أن نصوصهم السردية، أو الشعرية، أو النثرية، أو أي شكل من أشكال الكتابة تأثر بنمط حياتهم ما بعد الحرب.

فمن صمد اختلطت نصوصه بصوت المدافع وبُقع الدم وصَرخات الفزع وغُبن المظالم. ومن نزح تعفّرت كتاباته بوعثاء الطريق وشظف المعيشة والخوف من المجهول. ومن هاجر ابتلّت كتاباته بدُموع الحزن وسَهر الليالي وضربات قلبه الواجلة وهروعه المستمر إلى الميديا لتلقّف الأخبار.


(5)

كيف تبدّل معنى الكتابة هنا؟ فالكتابة التي كانت سلاحًا من أسلحة حرية التعبير عن الرأي ومظهرًا من مظاهر التحضّر والرقي، صارت اليوم مختلطة بكل مظاهر الحرب: بالدم والصراخ والرهق، إلى محاولات الإنسان لمقاومة البشاعة والخوف والسواد.

تتحول الكتابة إلى فعل بقاء، ليس للكاتب نفسه؛ بل للذاكرة، للجيل، وللحقيقة، في محاولة جنونية لتثبيت اللحظة وتوثيق ما حدث، وسط أصوات المدافع ومن بين ركام البيوت المتهالكة. لن تكون هنا رفاهية ومزاجية أن تكتب، ففي البيوت قبل الحرب لا يُزعجك سوى صوت أجهزة التكييف في الصيف الساخن. تتحول الكتابة لأكثر من كونها رفاهية إلى أنها فِعل مقاومة للموت والنسيان ووثيقة للعالم. ورغم انها قد تكون مباشرة، تقريرية، واضحة، غاضبة، عنيفة، صادمة، وعجولة، لكنها تظل كتابة حقيقية.

يقول القائل إن النظر إلى الأحداث عن قرب يشبه النظر إلى شاشة السينما، وكلما ابتعدنا عن الأحداث قليلاً صارت الرؤية أكثر وضوحًا. هذا سياق قد يكون مقبولاً في كل شيء إلا في الحرب؛ فما يدريك أنك ستعيش غدًا وما يدريك عن قيمة ما تكتب؟ فالكتابة هنا ليس شرطًا أن تكون كتابة رمزية مليئة بالمُحسّنات والجمل المَنّحوتة والمُراجعات الرّائقة، فلتكُن وثيقة للزمان وليأتِ الجيل القادم ويقرأ ويكتب ما يريد. فلربما سقطت الكثير من التفاصيل بالتناسي أو بطول مدة حدوثها أو بتغير الحال.


(6)

وبالرجوع إلى تجربة سفيتلانا نجد الكُتاب السودانيين لم يتوقفوا عن الكتابة في الرواية أو القصة القصيرة أو الشعر أو بكتابة المقالات، كلٌّ بحسب موقعه وزاوية نظره للأحداث. ولعل إيراد نماذج هنا دون الآخرين سيكون فيه ظلم، ولكن بحسب وجهة نظر كاتب المقال، فإن ما صدر في زمن الحرب قد يوازي أو يفوق ما صدر قبلها. ولأكون أكثر دقة، فليس كل ما صدر متصل بها بشكل مباشر؛ فحتى المشاريع القديمة للكتاب حبيسة الأدراج والمسودات المبتورة والتي أهلكتها المراجعات والانتظار، خرجت الآن. فالاحساس بفقدان كل شيء يسيطر على الجميع، فلا أحد يدري متى تنتهي ولا أحد له تصور عن ما سيحدث غدًا.

الحرب قد تقتل الإنسان، تدمر المباني، وتحرق الأرض، لكنها لن تخمد نار الكتابة ولن تطفئ جذوتها ولن يخبو بريقها. بل هي الفعل الأكثر خلودًا وعبقرية، وهو ما يبقى ندًّا لها وشاهدًا عليها. فموت الإنسان سنة كونية، ودمار المباني قد يعمره من عاش حياً، ولكن الكتابة تظل على حالها لا تتغير ولا تبهت.

هي الصرخة الكبرى في ظلام الليل الدامس، هي الجنين الأبدي الذي يعيش أطول من عمر الإنسان، هي السلاح المضاد للحرب نفسها، هي الترياق الذي يداوي جروحها، وهي حائط الأمان والصد الذي يمنع حدوثها مستقبلاً. حتى صديقي صاحب المسودتين صرف النظر عن نشرها بل وأحرقهما بعد أن بات آمنًا وهو الآن على مشارف إكمال روايته الأولى بعد أن عاش حياة جديدة.

Comments 0

التعليقات

الإسم صحيح
الإسم ملطوب
التعليق صحيح
التعليق ملطوب