عن تجربة صفحات الصباح
تجربة كتابة (صفحات الصباح morning Pages) وهي تمرين كتابي ابتدعته الكاتبة والروائية الأمريكية/ جوليا كاميرون يقوم على كتابة 3 صفحات يومياً بعد الاستيقاظ مباشرةً بخطّ اليد. تدّون فيها أي شيء يخطر على بالك وبلا توقّف، وبدون أن ترجع لقراءة ما كتبته إلا بعد فترة طويلة. ويمكن أن يكون هذا الشيء (حلم مزعج ليلة أمس، فكرة جديدة قفزت إلى ذهنك صباحاً، رأي في شخص أو جماعة، حلم ينمو في مخيّلتك كل يوم وربما قصة أو حكاية وهكذا.. . مع مراعاة ألا تُقيّد نفسك بجمال الخط على الورقة أو انتقاء المفردات والجُمل والأفكار. على أن يكون هذا التمرين في مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر على الأقل.
السبب الأساسي التي ابتُدعت من أجله صفحات الصباح هي متلازمة ما يسمى بـ(حبسة الكاتب) وهي حالة أشبه ما تكون بالفتور الإبداعي وقلة الإنتاج التي تُصيب الكُتاب أصحاب الإنتاج الفكري أو الأدبي المستمر. فبمساعدة هذه الصفحات يستطيع الكاتب تفريغ كمية هائلة من الأفكار التي تخّتمر في ذهنه؛ وبذلك يتنبّه إلى أفكار جديدة ويحرّر عقله من حالة الانغلاق التي تصيبه.
الجيّد في الأمر أن هذا التمرين، أنه يمكن لأي شخص أن يقوم به، ليس الكُتاب فقط، لماذا؟ لأنه حتى الأشخاص المرتبطين بمهن أو وظائف يعانون ذات المشكلة - أعني مشكلة الانغلاق الذهني- . لذلك نجد كثير من المعالجين النفسيين ينصحون بمثل هذه التمارين، فمن له عُقدة ما أو مشكلة يعجز عن سردها بصوره شفاهية يمكنه كتابتها بخط يده ومن ثم يتخلص من الأوراق، فقد لاحظوا ارتفاع نسب التعافي لهؤلاء الأشخاص. أذكر هنا قصة أحد الأطباء النفسيين الذي دخل عليه مريض في حالة توهان وخوف، حاول الطبيب استنطاقه ولكن لم يستجب بالقدر الكافي، حينها طلب منه بطريقة لطيفة أن يكتب مشكلته في ورقة، أخذ المريض الورقة وبدأ يكتب لفترة ليست بالقصيرة، وحينما انتهى منها؛ أخذ الطبيب الورقة وقام بحرقها وقال: الآن يمكننا التحدّث.
أهمية هذا التمرين الشامل - وأصر على تسميته تمرين- تكّمن في عدد من النقاط الآتية:
- الكتابة بخط اليد من أنجح الممارسات التي يمكن للإنسان القيام بها، لأن الذهن يتفاعل معها أكثر من الكتابة بالكيبورد أو الحكي والاستماع. والتجربة أثبتت أن الكتابة تقلل من حالة التوتر والخوف.
- الصباح فترة جيدة جداً لتفريغ الأفكار لأنه يسبقها الليل الذي يكون فيه العقل شبه خامل، وتتم فيه إعادة ترتيب كثير من الأفكار. إضافة إلى حالة السكون الكوني.
- عدم التقيّد بالإملاء وتسلسل الأفكار ونوعها يجعل مسألة الكتابة أكثر تحرراً وسرعة.
- فكرة أن لا أحد سيقرأ هذه الصفحات، حتى أنت تجعلك أكثر شجاعة ومصداقية في كتابتها. فما يفسد الأفكار الا كثرة النقد، وافتراض القارئ وتوقّع اراءه لحظة الكتابة. وهي إحدى العتبات المُقيّدة حتى للمبدعين أنفسهم.
تجربتي مع صفحات الصباح كانت بعد حادثة فض اعتصام القيادة العظيم، لأني مررت بمزاج سيء وتوتر عالي وحالة أشبه بـالاكتئاب. لا أنام جيداً كل ليلة مع خمول نهاري مع حدّة عالية في أبسط النقاشات وزهد في كل شيء.
بدأت بعمل هذه التمرين بشكل راتب ويومي. أجلس لكتابة الثلاثة صفحات، وبعدما انتهي منها أجد فيني رغبة إضافية في الكتابة؛ فأتحوّل من الورق إلى مفكرة الهاتف حتى وأنا في الطريق إلى العمل. أكتب عن أي شيء، أبكي، أضحك، أسخر، أسب، أشتم، أحكي لنفسي، ارسل رسائل، أصف كابوس ليلي، أتحدث إلى نملة تمر تحتي، أو إلى ذبابة تطنّ في أذني، وهكذا.
وبعد أقل من أسبوعين وجدت نفسي أكثر هدوءاً؛ فقد قُلت كل ما في خاطري، وتخلصت من كل سيء. وهكذا صرت أقوم به متى ما ضاقت بي الأشياء.
هذا التمرين كما قلت سابقاً يمكن لأي شخص القيام به، ليس شرطاً أن تكون كاتباً أو مبدعاً أو شخص مؤثر. يكفي أن تكون شخص ملئ بالطموح والهواجس والحكايات.
أنت قصة لا تكرر، وأحلامك لا تشبه غيرك. بيدك العلاج لمشاكلك، وعندك سلاح تدفع به كلّ سوء. اكتب مخاوفك، قصتك، أحلامك، فهذا أول مراتب تحقيقها أو زوالها.
التعليقات