حكاياتهم (فصل من كتاب تلصص)

نُشر بتاريخ 2025/03/24


حكاياتهم

 

(1)

 

النـاسُ هـنـا لم تنالهم يدُ الصّيرورة، على حالهم منـذ آخـر مـرة تركتهـم فيهـا، وكأن ملامحهـم حنّطها الزمن، لم يتغيّر منهـم شيء، ذات التجاعيد الوسيمة تكسو وجوههـم القاسية، نُحتـت بأزاميـل الـكـد والشقاء، مرسومةً بنُبـلٍ كـشـاهـدٍ عـلى تعاقـب الأيـام والظروف. ذات العيون الدقيقة، المتعبـة، الحـادة والغاضبـة. ذات الشفاه الرقيقـة، المتشققة والمتزمتة. وذات الأصـوات الغليظـة الهـادرة والحناجـر التـي عاقرت الـصّيـاح. ذاتهـا الأجسـاد النحيلـة والرشيقة، صقلتهـا أشـعة الشمس فصـار لون الجلـد أسـمراً متوهجـاً، يلتمـع مـع سـقوط الضـوء عليـه، يلبسون عراريقهـم الممزقة، وسراويلـهـم الـتـي تشـرّبـت بطين أرضهم، مُعتمرين رؤوسـهـم بطـواقٍ مزركشة. يرتدون فقط مـا يخـرجـهـم مـن دائـرة الـعـُراة، وعـلى أقدامهـم مـا يصـدّ عنهـا الأحجـار والأشـواك وسخونة الأرض. يضربـون عـلى عـلـب التمبـاك خاصتهـم بـطـربٍ وهـم يضعـون سـفـةً بـحـجـمٍ كـبـيـر عـلى شـفاههم المشققة، وعلى إثرها تتقـد أذهانهـم، فتعلـو حناجرهـم بالصياحِ والغناء، وينمّون أحياناً بأصـوات واهنة مشروخـة.  أعمارهـم بـين الأربعين والسّتين، وكأنهـا واقفـة بـيـن هـذيـن المداريـن منذ خمسـة أعـوام، وهـي المـدة التـي غـادرت فيهـا هـذا المكان. غادرته إلى هناك، حيـث الـعـوالم الغريبة والمتشابكة. عـوالم أبعـد مـا تكـون عن الحيـاة، أو تلك الحياة التي اعتدتها. هناك، حيـث أبـواق السيارات تخـرم الآذان، وإطاراتها تكشط سـطح الأسفلت.

 

قومٌ منذ عرفتهم غريبوا الطباع، يضحكـون عـلى كل شيء وفي كل شيء، السخرية دائماً والضحـك في مجالسهم، يتعاطونها مثلما يتعاطون التبغ والهواء. فحياتهـم تحولت إلى مقاطـع مـن السخرية المتكررة، يهشّون بهـا الـضنـك والشقاء الـذي يكتنـفهم، والرتابـة المميتـة التـي تمـلأ تفاصيل يومهـم، ومجابهين بـهـا قسوة شمسهم وصقيع بردهم وصعوبة خريفهم. فصباحـاً يضحكـون عـلى بعضهـم البعـض، تجدهم يتصايحون مطلقين النـكـات البذيئة والقفشات السريعـة وهم في طريقهـم للعمل بالمزارع والحقـول وكـمائـن الطوب، فيحيلـون الشارع إلى مسرحٍ يضج بالحديث والهتاف والمنـاداة هنا وهناك، وكأن الحيـاة كلهـا اختُزلـت في هـذه المحادثات الصباحية. تراهم يمتطـون حميرهـم مطلقـين نـداءاتٍ صوتيةٍ غير مفهومة بالنسبة لي أحياناً، ولكـن ألحـظ أثرهـا في حركة الأغنـام واستجابتها الفورية، فثمّـة لغـةٍ خفيةٍ يتعاملون بهـا معهـا، لغـة لا تعترف بالقواميس وقواعـد النحـو، بـدت لي أكثـر دقـةً ووضـوح. أمـا نهـاراً وعنـد شـربـهـم لـشـاي الظهيرة (الصامـوتي)، الـذي يـغـلي فـوق ثلاث لَدايـات* ونـارٍ مـن أغصان شـجر السَّمُر، تجدهم يضحكـون وهـم يتحدثـون عـن معيشتهم وأحوالهم وتقلبات الزمان، وينشـدون أثناء ذلك الأشـعار المقفـاة، ويسـبُّون الحكومـة التـي لا تشبع؛ فهـي في كـل يـوم تـمـارس هلعهـا وخوفهـا وتكـيـل عـلى ظهورهـم مـزيـداً مـن القوانين، فيقابلونهـا بابتسامتهم الساخرة. يعجبنـي إنصاتهـم للمتحـدث، لا موسيقى خلف ستارة حديثهم سـوى هديـر مياه الجداول القريبة من مجلسهم، وقعقعة وابوراتهم، وغثـاء الماعـز، ونهيق الحمير ونبـاح الكـلاب البعيـدة. وأنـا بينهـم النشـاز الوحيـد، فتمتـد سـخريتهم لي، فيسألوني عـن بنـات البنـدر السمحات، ورائحـة الكـريمـات، عـن الرئيـس الـذي لم يشـاهدوه إلا في تلفزيون (عمـك الشـيخ)كـل نـشرة أخبـار.

أمـا عـصراً عنـد عودتهـم مـع أغنامهـم، فتراهم يغنـون في زهـوٍ وفـرحٍ، بينما ترتجُّ أجسادهم مـنفـوق ظهـور حميرهـم التـي ثقلت جنباتهـا من حمل الأعشاب والبرسيم والأحطاب اليابسة.

 

الحمير التـي خـبـرت الـدروب جيـداً، لا تحتاج منهم إلى توجيهٍ أو وكزٍ، تحملهـم عـبر ذات الطُرق التـي أتـوا منهـا، أو التي ربما أخـذوا غفواتٍ صغيرة عندهـا. لا تكاد تميزهـم جـيـداً وهـم وسـط أغنامهم، فحركة أقدامها تثير الأرض، فتُحيلهـم إلى أشـبـاحٍ وسط الغـبـار المتصاعد، بيد أنها أشباحٌ ضاحكـةٌ وسـاخرةٌ من الحياة.

يتحركون في مسـارٍ واحـدٍ كنمـلٍ يقتفي أثـر شيءٍ مـا. لا يغيّرون مواعيد عودتهمأبداً، وكأنهـم صـاغـوا نمط حياتهـم عـلى هـذا المنـوال.

 

(۲)

 

دومـا ما أحـتـارُ في سر العلاقةِ العميقـة التـي تربطهـم بحميرهـم وأغنامهـم وكلابهـم، وكأنّ تفاصيل حياتهـم لا تكتمـل إلا بهـا. فالكـلـبُ للحراسـة ورفقـة الطـريـق وربـما للصيـد، والحـمارُ للتنقّـل والمؤانسة - نعـم المؤانسة - فقـد سـمعتُ الكثيريون منهم يساجلون حميرهـم ويحادثونهـا بـمشاكلهم وهمومهـم. أمـا الأغنـام فهي للمأكلِ والمشرب، وهـي بالطبع مصـدر رزقهـم وثروتهـم التـي يحرصون عليهـا. فتنشـأ تلك العلاقات المعقدة وتتشكّل بصورةٍ غريبة ومتناقضـة، فـذات الأغنـام التي يجتهدون فيعَشبها وسِقايتها اليـوم، يذبحونهـا غـداً ويتلذّذون بلحمهـا. وذات الحمـيرِ التـي يؤانسـونها صباحـاً، يـُوسـعونها سبّاً وضـربـاً في الليـل. فتجـد أحدهـم يكونُ أكثر قـربـاً وأُلفـةً لهـا مـن قُـربـه وأُلفتـه لـلنـاس حولـه، فمثلاً (حاجـة سليمة) كان لهـا كـلـبٌ يرافقهـا طـوال حياتهـا، وحينمـا تُوفـيت لم يكـن هنـاك من أحـدٍ جوارهـا غـيـر كلبهـا، ظـل مـلازمـا لهـا لنصـف اليـوم، جاثياً أمـام جـسـدهـا المطروحِ على الأرض بعـد سـقوطها لسببٍ لم يعرفـه أهـل القـريـة إلى الآن. رفـض كلبها حـتـى النـبـاح وإبلاغ الناس؛ وكأنـه يـعـرف أنهـم لـن يهتمـوا لأمرهـا، أو خشية أن يزعجها بنباحـه.

والمنصـتُ لأحاديثهـم يجدهـا مكرورةً، ولا تخـرج مـن قـصـص يجترُّونهـا کما تجترُّ بهائمهـم الـعلف ليلاً. وتكاد أمثالهـم التـي يتمثّلـون بـهـا وأساليب عيشـهـم التـي يقـومـون بهـا، لا تخـرج مـن الإطـار القديـم الـذي رسمه الأجـداد؛ ربـما كان ذلـك لضيـق المـَعـيـن المعـرفي الـذي ينهلون منـه، فـما عـدا نـشرات الإذاعـة ومـا يبثـّه التلفزيون القومي، لا تجد لهـم مـصـدراً معرفيـاً آخـراً - وكأنهـم لا يريدون أن يعرفـوا جـديـداً، فـ(الزِّهـاوي) الـذي تجـاوز عمره الخمسين عاماً، لا ينفـك يحكـي لي عـن اليـوم الـذي استقبلوا فيـه الرئيس جعفـر نمـيري، وكيـف أنـه لـوّح لهـم بطاقيتـه العسكرية مـع ابتسامةٍ كبيرة، ظل مفتوناً منذ ذاك الزمن بنميري وبنظارته وزيه العسكري الفخيم. سرد لي هـذه القصـة أكثـر مـن سـت مـراتٍ دون أن تزيـد أو تنقص تفصيلـةً واحدة، يـصـرّ عـلى أن النميري مـا زال يحكـم، ولا يستطيع أحـد نقاشـه في أفضليّتـه طبعـاً، ولعـلّ الثابت في عُرفِ الحيـاةِ أن الإنسان يتغير سلوكه بالمعرفة، والتـي إمـا أن تكـون معرفـة أكاديميـة مبـاشرة أو معرفـة تُكتسـب بالاطّلاع عـلى حيـواتٍ أخـرى. وكيـف لهـم بهـذا، وهـم يتحركـون في مساحةٍ ضيقـةٍ لا تتجاوز الأربع كيلومتراتٍ مربعة، يدورون حولها كثيرانِ الساقية، لا يقرأون، ولا يتعرّفون عـلى ثقافـاتٍ أخرى، أقـصى أحلامهـم أن تلـد بهائمهـم ونساؤهم، وبالكاد يسمحون لأحـد أولادهـم بـأن يتعلّـم ويصبـح أفنـدياً.

 

تضـجُّ مجالسـهـم بـين الحين والآخـر بالحديـثِ عـن الـزواجِ وأسراره الليليّة، فهـذا يتفاخـر بزواجـه لـسـت مـرات، وذاك يُباهـي بذريتـه التـي تجـاوزت الخمسـة عـشـر فـرداً مـن ذكـرٍ وأنثى، ويـرى في نفسـه حتى الآن القدرة لفعل المزيد، وآخر يستعرضُ شاربه الضخم ويُقسم بالطلاقِ ثلاثةً أن شيئه لا يقل عنه ضخامةً. وهم هكذا والحال، قومٌ دائموا الفخر بعنفوان فحولتهــم، يحكون عنها وكأنّهم خارجون من ألفِ ليلةٍ وليلة.

 

 


 

(۳)

 

الليـلُ هـنـا سلطانُ الأوقاتِ وأكثرهـا سـطوةً، يحلو فيـه السّـمر والحكي والوُنس. فبعـد أن تمنح الشـمس نظـرة الـوداع الأخيرة للأرض، تتداخلُ أصـواتٌ كثيرة في هـذا الوقت، فهذا رجـلٌ يـهـشُّ عـلى أغنامـه ويدخلهـا إلى الحظيرة، وهذه أمٌ تنـادي على ابنهـا الـذي يتمـرّغ في التراب وهـو يلعـبُ مع أٌقرانهِ (شِـليل) و(الغِميضـة)**، وجـدةٌ تـنـادي على حفيدتهـا التـي عـادت لتوهـا مـن حظيرة الأغنـام. وهناك صوتُ مِذيـاعٍ خفيـفٍ يـأتي مـن (حـوش حـاج أحمـد)، يحمـل في طيّاته صـوت البروف (عبـد الله الطيـب) والشيخ المُقرِئ (صـديـق أحمـد حمـدون)، وهمـا يـفـسّران المصحف الشريف. ومـن عـلى البُعـد يأتي صـوتُ (سليمان) بعد أن عاد مـن السـوق وقـد توهّجـت الخمـرُ داخل رأسـه الصغيرة، يكيلُ السّباب لزوجتـه ويضربهـا، بينما تمسـك بـه من عند مدخل البيت، حتى لا يفقد توازنه ويسقط، تسنده بأناةٍ وصبرٍ طويل، وتدخله للدار، وهكذا الحال.

وصـوتُ ضحـكٍ لصبيـانٍ يتسـامرون تحـت ضـوء القمـر، آتياً من عند تلّةٍ عالية، تظهرُ عندها بيوتهم الشاحبة بأنوارها الواهنة، كأنّها الوهم. تسمعهم يغنون بآلـة (الربَابـة) محلية الصنع، أعوادها جُلبت مـن حـواشـة (مختار)، وأسـلاكها مـن المدينـة، أما جلدهـا فكان لبقـرةٍ ذُبحتفي خِتان أولاد (إسماعيل)، يعزفون عليهـا ويتراقصـون إلى وقت متأخـرٍ من الليل، وأحياناً تجدهم مُقرفصين بربابتهم وأجسادهم الناحلة من فوق جلابيبهم الغبشاء جـوار دكان (السيّد) الـذي يغلـق أبوابـه بـعـد المغـرب ليلحـق بحلقـة الذِّكـر في القرية المجاورة، فهـو الصّامت الوحيـد، الباسـم، الـذي لا يتوقف لسـانـه عـن اللّهيج بالصـلاةِ عـلى النبي.
 وليس ببعيـدٍ منهـم يتجمّـع الـصغـار حـول جدّتهـم وهـي تشـحذُ خيالهـم بحكاياتٍ مدهشة، بطريقةِ سردهـا الجميلة والآسِرة، كانت كحكّاءةٍ عظيمة وهي تروي عليهم بطـولات (حسـن الشـّاطر) مـع (الغـُول) لتُحيلهـم إلى عوالم فنتازيـةٍ رائعةٍ، وغرائبيةٍ مدهشة، تجعلهـم يشـعرون أن هنـاك أبعـاداً أكبر في هذه الحياة، أكـبـر مـن مسـاحة القريةِ والبحـرِ معاً. قصصٌ كتلـك التـيكنـت أحكيهـا لأخي الأصغـر عـن (ود النّصيح) وهـي شخصيةٌ ابتدعتهـا ونـحـن صـغـار، أحـكـي عنهـا كل يومٍ قصةً جديدة.
 هذا هو الليلُ في القرية، ربما لا يُعكّر صـفـوه إلا نِباحُ كلبٍ عـلى غريــب، أو أزيزُ طـائـرةٍ في طريقهـا للبلاد البعيـدة، أو سـُعالُ مريضٍ أرهقتـه الحمى، أو تغنُّج امـرأةٍ أربعينيـةٍ بـاتـت لا تستحي مـن فـِعـل الـليـل، أو ربما ضحكـةُ (الطاهـرِ) المُجلجلـة التـي تشقُّ سَتارةَ الصّمتِ المَهيـبِ الجاثمِ فوق ليلِ القرية.

لليلِ أيضـاً أساطيرٌ وحكايـاتٍ تبـدو أقـربَ للخيـال؛ لارتباطهِ بعوالم الجِّن والشياطين، فكثيراً مـا تسـمع أحدهـم يناديـك مُحـذّراً: (اعمـل حسـابك يـا زول البيـت ده مسكون!). حكى ليجـدي ذات مرةٍ، أنهـم خـرجـوا يقصـدون سـفـراً بعيـداً للمشاركة في عُرس قريبٍ لهم، وعندمـا مـالـت الشـمس نحـو الغروب، سمعوا أصواتـاً تخـرج مـن بيـتٍ مـا عـلى الطريق، أصـواتٌ متداخلة، لا تكاد تميزهـا، فـلا هـي أصـوات قططٍ ولا بشر، هجينٌ مـن هـذا وذاك.

يُكمـل  جـدي حكايتـه، وقـد ارتسـمـت عـلى مُحيّـاه ابتسامةٌ عريضـةٌ عندمـا قاطعتـه قائلاً : ( أهـا وعملتـو شـنو؟)، فقـال: ( والله يـا ولـدي قلنـا بسـم الله وجرينـا، نِعلاتنـا خليناهـن في الحِتّـة ديـك)، تقطعُ قهقهةٌ طويلةٌ حَكيهُ، ويظل يضحك حتى تدمعُ عيناه، ثم يستغفر الله، (أها والصبـاح لامـن جينـا راجعـين، لا لقينـا البيـت لا لقينـا الكدايس، ونِعلاتنا جَت عليهن مقلبنات).

 

* لدايات: مفردها لَداية، عبارة عن ثلاثة أحجار متوسطة الحجم، تُرصبطريقةٍ متناسقة، فيسهل وضع الأواني فوقها.

** شِليل والغِمّيضة: أسماءُ ألعابٍ شعبية للصغار.

 

 

 

 

 

 

Comments 1

التعليقات

أحمدعيسى

3/24/2025

بدءاً سعدت بخبر إنجازك لهذه المدونة، كما سعدت أكثر بأن قرأت لك هذه الحكاية الجامعة المشغولة بإحساس صادق في السرد والوصف الزماني والمكاني والإبداع الصادق في تصوير الشخوص ...تمنياتي لك أ. عثمان بمزيد من الإبداع والتقدم

الإسم صحيح
الإسم ملطوب
التعليق صحيح
التعليق ملطوب