{غراميات عاطف ودالحاج سعيد الفادحة}
كشخص يشغلني سؤال التجنيس الكتابي منذ وقت ليس بالقصير؛ للحد الذي جعلني أتعجّل في إصدار كتابي الأول (تلصّص) وهو خارج عن الأجناس الكِتابية المَعروفة رغم جاهزية المجموعة القصصية (الخروج من بوابة الجسد) والتي صدرت بعد عامين من تاريخ الأول، ولأنّي أيضاً وإلى حد كبير أرى أنّ راسي قوي ولا تُهمّني التصنيفات أي كان نوعها بقدر ما يُهمني المعنى الذي يتضمّنه المكتوب، من هذه المداخل لفتت انتباهي جملة (متتالية حكائية) تحت العنوان (غرامات استثنائية فادحة) للكاتب عاطف الحاج سعيد والتي للأمانة لو نزع الغلاف وأزيلت هذه الجملة التصنيفية لاعتبرتها رواية بإمتياز.
-اضيف هنا، وبعد أنْ أنهيت كتابتي هذه بأن وجدت نفس العنوان تحت مسمى "رواية" في غلاف آخر ولا أدري أن كان عاطف قد أجرى معالجات حَريفة وهي لا تُعجز كاتب مثله أم أبقى على الوضع كما هو فيما يخص الشخصيات والأحداث. -
****
تأخرتُ في القراءة لدكتور عاطف ودالحاج سعيد وهو أكاديمي وأستاذ جامعي وباحث، وذِكري لهذه التفصيلة؛ لأن هناك اعتقاد سائد بأن كتابة الأكاديميين تَجّنح نحو الصرامة اللغوية والانضباط في كتابة الأفكار والوِصائية المُملّة، وهو أمر لن تجده في هذه الغراميات الفادحة، فالشخصيات الرئيسية التي بُنيت عليها القصص والأحداث وما يساندها من شخصيات ثانوية وعابرة، تتحرّك بحرية وتتصرف بالكيفية التي ترى بها الحياة للحد الذي ساورتني فيه شكوك عميقة أنها أتعبت حتى عاطف نفسه أثناء الكتابة عنها وحاول كبح جماحها - أتمنى ألا يكون ادعائي هنا كاذباً - هذا من جانب، وأيضاً إختيار المكان نفسه "الرابية" و"غابات كالي" أشعل في ذهني حرائق الأسئلة فهو مكان غير مُصنّف لا هو بمدينة ولا هو بقرية ولا هو بدولة، بل هو غابة - هل انتبهت لهذه المفارقة - فالغابة في العُرف الكوني هي سُكنى دائمة للحيوانات ومؤقتة للمتمردون من البشر ومناهضي الانظمة السياسية، ولكن حينما تخوض غِمار القراءة عن الشخوص الذين يعيشون هنا؛ فستجد نظاماً صحياً وغذائياً وعاطفياً، وستعرف عن طبيعة الصراعات التي يخوضونها على صراعهم الأساسي الذي جلبهم إلى هذا المكان ويقاتلون من أجله كل يوم، وستتلمّس بذور الحب وهي تنمو بين صفوف العيادات الصحية وأكوام الجوالات العطشى للكهرباء وفي الأماكن القريبة من الرابية، ستدهشك الحيل الخبيثة والماكرة لسكان كالي من المهاجرين السودانيين والجنسيات الأخرى في استجداء الجنس وتلمّس المُتع وهم يبذلون أشيائهم متى لاحت بارقة آمل أو هفهفت جوارهم رائحة أنثى عابرة.
****
انها حكاية أو رواية أو متتالية سردية عصيّة على التلخيص والحرق ولا تستطيع أن تكتب عنها خلاصة تمثّل عُقدة سردية تم حلّها أو لحظة تنوير يصل إليها القارئ، بل هي موال طويل من النواح والانين والتّوق، يخرج من افوه الشخصيات الضائعة، الحائرة، الممحونة. من أجسادهم المُثقلة بالحنين للأوطان والرغبات الخاصة الدفينة والأحلام بعبور المانش والانعتاق من سجن كالي الكبير. فرغم أن الغابة هي البطل الأساسي الذي ارتضيته بعد أن بدأت الشخصيات تختفتي وتعود حسب ما تقتضيه الضرورة السردية ألا أنها أيضاً رحلت.
هي حكاية الجميع "سيد راستا الذاهل بسبب غياب رندا المفاجئ والمصاب بمتلازمة الخراء غير المكتمل وهو يمتشق جيتاره هائماً، ابنعوف المهرب الشرس القديم الذي انتزع مكانته من بين انياب مهربين آخرين، سيد أرنو صاحب عربة الأسماك، المهرب الافغاني، والممرضة ايلودي التي لم تحّتمل حب كودي المهاجر اليافع إبن الجبال لها، والفتاة العذراء جوانا بنت العم نانوش بحرفيتها في أزاحة اثقال المهاجرين المصطفين خلف باب الخيمة، وموظفة الاستقبال التي نالت توها احقية الخروج من بيت أبويها، والنّيل سَحابة صاحب الخلخال...الخ" وغيرها من الشخصيات التي قد يكون من المُخل ذكرها عرضاً.
****
لهنري ميلر جملة علقت بذاكرتي عندما قرأتها لأول مرة وهي أن الكُتب تُقرأ بفضل التوصية المُحبّة، وليس بفضل الدعاية، الأمر الذي وللمفارقة صادف نهجاً اتبعه فيما أقرأ وأكتبْ وما أكتبْ عنه، حيث اهتمّ كثيراً لتوصيات الأصدقاء المُحبة، وبذات المَحبّة أدفع بالتوصيات إلى هذا الفضاء، انتصاراً لمثل هذه العوالم الغريبة التي بالكاد تطالعنا في نشرات الأخبار أو في كتابات الفجيعة لمن ماتوا على تخوم المانش أو تناوشتهم حيتان المحيط وتكسرت أحلامهم على عتبة قوانين الحدود الصارمة، لتجئ مثل هذه الغراميات مذكّرة لنا بهذه العوالم، بلغة رشيقة ومتماسكة وجمل مريحة وغير عجولة منحت كل شخصية حرية ما تقول.
التعليقات