الكاتب خالد أبو بكر عن كتاب تلصص

نُشر بتاريخ 2025/03/23


يمثل كتابُ تلصص نوعاً جديداً من النصوص التي أقرأها , فهي تتناول بسردية مشاهد رئيسية بحياة الكاتب, فبذا يمكن أن تكون هي تجربة ذاتية يعكسها, بأدوات القصة لكنها ليست قصص.
سألتُ نفسي, لو اني لا أعرف الكاتب شخصياً كيف ستكون نظرتي للكاتب, أي إنني أضع نفسي في مقاما القارئ العادي الذي ليس له علاقة شخصية بالكاتب, كيف سيرى هذه النصوص وماذا سيكون برأيه, أولا أقول كان سيقول أن العنوان هو شيء جديد على القراءة يحمل غموض لا يكشف عن ماهية الكتاب أو حتى جوهر الفكرة التي يرتكز عليه سوى الدلالة المعنوية للتلصص أي المشاهدة دون أن يراك احد, ويحمل أيضا العنوان شعور النشوة عندما يفكر القارئ في متعة التلصص, أن تنظر لحيوات للناس وتكون كالرب ترى كل شيء وهم لا يروك.

وثانياً المقدمة التي فكرتُ فيها ملياً, و اعتقد انها دفوعات نظرية من الكاتب يُدّعِّمُ بها النصوص, حيث يقول عنها
"نصوص كتابية تحول المواقف اليومية المُعَاشة إلى أشياء مدهشة و فنتازية, وهو شيء يقارب بدرجة كبيرة ما ترمي إليه نظرية الكتابة"

الطريف في الأمر ان مثل هذه العبارة عادة يكتبها ناقدٌ؛ فبذا يكون الكاتب يقتحم المجال النظري أولاً, والنقدي ثانية, والتطبيقي على وجه النصوص التي يكتبها, وعلى هذا الأساس يحكم القارئ متن النظرية, والكفاء في التماثل بينها وبين هذه النصوص التي وصفها لنا, هل هي مدهشة؟, هل هي فنتازية؟ هل هي تقارب بدرجة كبيرة نظرية الكتابة؟

وتكمن أهمية النصوص في أنها توثيق تاريخي, وهي تمثل في منهج الدراسات عينة من المجتمع تحكي تجربتها, وكل هذه التجارب تتشابه اذا عممناها في كثير من أوجهها مع اختلاف الأمكنة وهي ذا صلة بالبعد الشعوري الوجداني الخاص مثل شذرات من ذكريات بعيدة, فهي البداية التي تشكل الكاتب وتشكل الإنسان السوداني وهي ذكريات المدرسة, ونص عطبرة وأشياء من الذاكرة, فهي تتفق مع سابقتها في أنها تحفر في المشهد التعليمي, حيث تحفر في اليومي الجامعي وبداياته , وتحفر في المكان أي عطبرة.

اما بعد المجتمع وحالهم العام نجدها محفورة في نص حكاياتهم, فهو يتناول اليومي عند هؤلاء العامة , خصوصا في القرية بحيث انه يبرز اهم ملامحها مثل الاغنام, الزريبة, لعبة شليل والغميضة, الحمار للتنقل والمؤانسة, استماع أهل القرية في حيشانهم لتفسير عبد الله الطيب والشيخ صديق احمد حمدون, فهذه ثقافة القرية يبرزها الكاتب لكيف هي حياتهم اليومية , ونرى ايضا أحكامٌ على بعض تفاصيل حياتهم حيث انهم يعيشونها بتكرار الاحاديث ولا تخرج من الاطار القديم التي رسمه لهم الاجداد, فهنا دلالة على جمود هذا المجتمع في حياته ليس له خروج عن هذا الاطار المرسوم.

ايضاً هناك بُعد الرومانسية وعالم الأنثى من خلال نصي "مكتوب لأنثى قابل للذوبان" " كونُ من المحبة" فالأول يهتم برؤية حال الشباب العامة عند تعاملهم مع الأنثى, وتعاملها معهم و المغازلة, اما الثاني فهو تجربة ذاتية للكاتب عن أنثى يعبر عنها بأنها كون.

وليس بعيداً عن المجتمع يحفر الكاتب في الأغاني عبر نص "مِشوار" التي هي جزء أصيل من ثقافته والمعبر عن وجدانهم, وهنا تكون وجدان الكاتب لأغنية لا يجدها في جهاز تسجيل المركبة, ومدى قدرة هذه الأغنية على الاستمرار في هذه الذاكرة المهترئة على حسب وصفه. فنَسْتَشِفُّ أن الأغنية هي مقاومة للذاكرة من الاهتراء, وصداها يتكرر بحفرها المستمر للوجدان.

أيضا نجد الحفر في عوالم غير مادية مثل ثيمة الموت, التي فيها, ومدى تأثير الموت في الكتابة فأثره القاسي جعل الكاتب يقتل الأبطال في كتاباته, يريد أن يفهم الموت, إحساس أن يموت شخص ما, فهذا حفر يريد معرفة وفهم لعالم الموت, عبر نافذة الكتابة اي تجريب الموت في النصوص.
حيث فسْتَشِفُّ بأن الكتابة هي اقرب سبيل للفهم لأن لها القدرة على المقاربة الوجدانية للشيء الذي نريد فهمه. فإدخال الموت هنا كان لمحاولة فهمه ومساءلته, كيف يشعر الكاتب عندما يدخل معادلة الموت في نصه, كيف ستكون مشاعره وهو في مقام الجعل لشخوصه مقرراً حياتهم وموتهم.

بالإضافة إليه نصي " في محبة الأصوات" و " إليهم" فالأول يحفر في الصوت ومدى تأثيره على الأذن واستجلاب الشعور والمتعة في الأصوات التي يجدها في الحياة, فهو تلصص سمعي. ويقترب هذا النص في استدلاله مع نص مِشوار, وقاسمهما المشترك الأذن, مع اختلاف الموضوع.

والثاني هو حفر شعوري في الغياب والمنفى ارتباط الكاتب بأصدقاء جعلتهم الظروف يغيبون عنه ويهاجرون الى المنفى.

ارتباطاً بالمقدمة وارتباطاً بنص عطبرة وأشاء أخرى من الذاكرة وجدلية المهندس/ الطبيب, يتوغل المهندس عبر تلصص الكتابة الى عوالم الطب, يحول فيها هذا العالم الى تفاصيل وجدانية شعورة تتصل بفن التعامل الجميل مع المرضى واستلاف الروشتات الثقافية كعلاج للمرضى, في هذا النص نستشفى قولُ للكاتب بأن القراء علاج. يحتاج الأطباء في عواملهم ان يتعاملوا مع مرضاهم كما يتعامل الكاتب مع نصع بجمال ومحبة وفن, واستلاف لخصائص المثقف في عالم وحشي للأطباء فيه كثير من الرهق وكثير من هذه الوجوه الكالحة المريضة.

وأخيرا نص " الزغاريد تتبعها الدماء" وقفت فيه لبرهة فهو من زاوية مشهدٌ موجود عند بعض القبائل, الجلد في العُرس, يوثقه الكاتب بكل حيادة وبترفيع مدهش وسردي من طقس منظور بالعين الى مشهد منظور بالكلمات, فيكتسب بذا وصف المدهش.
من زاوية أخرى هناك نوعٌ من النقد الثقافي لكن انحيازاً لأيدولوجية إنما انحيازا للعلم بمواجهة عادة الثقافية فبموازاة كلمة مدهشة في المقدمة مع هذا النص, أي رؤية هذا المشهد من حيث الفعل ذاته وانتقاد هذه العادة لأضرارها الطبية. فهذه الرؤية تقول: عندما نرى الكاتب يحكم على نصوصه بهذا الوصف ونجد هذا النص من بين نصوصه فهو بذاك كأنه يجعلها في حكم المدهش لا يحكم عليها ا عادة الجلد في الأعراس.
وهي رؤية ربما تتضارب قليلاً مع الرؤية الأولى فالمشهد هنا كتابي, اي هناك فنُ يتعلق بترفيع اليومي الى خانة المدهش وتوثيقه عبر الحروف وليس إبداء الرأي الخاص للكاتب تجها مشاهده. رغم أننا نرى حكماً له في نص " حكاياتهم".

في الخاتمة أقول:
من خلال ما سبق من ملاحظات لا اجد نصاً يُحكم عليه بالفانتازى حيث هي السحرية المستمدة من الأساطير والفلكلور.
ونهاية فإنه ليس من العادة أن يبدأ كاتباً إصداره الكتابي بمؤلف اقرب الى سيرة ذاتية مجتزأة بأدوات السرد القصصي, لكن ربما تكون هذه الإصدارة تستند على المقولة التي تقول ابدأ بما تعرفه جيداً, فليس هناك أكثر من التجارب الذاتية والمشاهد المستقاة منها للكتابة عنها.

خالد أبوبكر

Comments 0

التعليقات

الإسم صحيح
الإسم ملطوب
التعليق صحيح
التعليق ملطوب