الكاتب عمر أرباب عن كتاب تلصص

نُشر بتاريخ 2025/03/23



(ماذا يريد أن يقول لنا كتاب: (تلصص.. حفريات في ذاكرة مهترئة) للكاتب الشاب عثمان الشيخ )


•تقدمة:

لدي قناعة راسخة بأن الزمن الجميل لم يمض بعد وأن أجيالنا الشابة لديها ما تقدمه، وليس ثمة سقف سيحجب عنها ضوء الإبداع. ومن هذه الزاوية سنرافق كتاب تلصص _ حفريات في ذاكرة مهترئة في رحلة تلصصه الآسرة.

وسنحاول أن نقرأ ما وراء الحكي في تجاوز للتقنيات السردية واللغة والتجنيس وغيره من اشتغالات النقد، لنتلصص مع الكاتب ونعبر معه من خلال ذاكرته غير المهترئة والتي أهدتنا هذا السرد الجميل لتقول لنا، لقد تجاوزنا أزمنة الحكي الشفاهي إلى زمن نخلد مسيرتنا فيه من خلال حفر سردي يحتضنه كتاب.


•احتوى الكتاب على ثلاثة عشرة نصاً ومقدمة، لنتجاوز المقدمة ونبحر مع النصوص:-


1/ (شذرات من ذكريات بعيدة)… {تلصص عطري}.


النهر يعود لمجراه، الطفولة تكتب لحظة تفجر النهر، والصبا يشهد تدفق مياه الحياة وهنا يكشف لنا الكاتب بدايات تلصصه السردي ومحاولة اكتشاف الذات، فهو يرسم ويحفظ القصيدة ويلقيها على الحضور وينمي حاسة الشم من خلال الاحتفاظ بعطر الضيوف، وهنا ثمة وقفة تربوية فالكاتب في داخله فنان لم يجد من يتفهم طاقات إبداعه ويوجهها لتثمر مبكرا ولكنه رغم ذلك شق طريقه الصعب لينتمي إلى شغفه الخلاق ونهر إبداعه الدفاق.


2/ (مكتوب لأنثى قابلة للذوبان)… {تلصص محبب}.

هنا تفتح نافذته على طريق المحبة، ليتلصص على عبق الأنثى دون محاصرة، فهو يريد أن تتواصل مرواغاته التلصصية دون أن يصل الأمر إلى نهاياته فتختلط ماء النهر بمالح مياه البحر.


3/ (حكاياتهم)… {تلصص حياتي}.


في هذه القصة يستخدم الكاتب تلصصه ككاميرا ليعكس لنا حياة الريف أو لنسميها المدن الريفية تجاوزا، فهنا يتلصص على الوجوه المكدودة بكرّ الدهر عليها، وعلى الحمير والكلاب والقطط والحكايا، يتلصص ليلا ونهارا وعند الصباحات.


4/ (تلصص)… {كاميرا السرد}.


وهنا يكشف لنا النص عن عادة التلصص وما هي إلا الشغف الذي يحرك سكون الكاتب ليلهب جذوة الإبداع بمكر وخبث أحيانا، فهنا يمارس تلصصاته على الشارع، والأشخاص والمركبات والفيس بوك والزملاء والمدير، دون أن يكتشف أحد ورطته الوجودية التلصصية.


5/ (مشوار)… {تلصص الأنغام}.


(وفي غمرة اندهاشي بتفاصيل الشارع وانهماكي في اكتشافه نبهني جهاز التسجيل إلى صوت عذب وجميل).

فقلم الكاتب يمارس عادته التلصصية فينبهه الصوت العذب لكنه لا يريد الصوت العذب فقط بل يريد ما خلف هذا الصوت (بينما أغنية تدور...ثمة حياة تجري في الخلفية..عمر طاهر) فهو يريد أن يعرف ما هذه الحياة التي تجري في الخلفية لذا سيواصل في تلصصه.


6/(كون من المحبة)… {تلصص مغاير}.


(إلى سارة وبيننا مئات السنين الضوئية وسنتمترات من المحبة)

فرغم السنين الضوئية هذه وسنتمرات المحبة، لكنه يتلصص عليها من خلال ذاتها فيه.

يخفق قلبه: فهي خائفة

تؤلمه كفه: لأنها تحاملت على كفها.

يبكي منتصف الليل لأنها تنتحب.

بل يجد أثر أحمر الشفاه علي شفتيه لأنها خرجت لمناسبة اجتماعية.

ألم قدماه سببه لبسه للكعب العالي.

فهنا الكاتب يستخدم قانون جذب تلصصه على سارة التي غادرت ولكنها لن تستطيع فكاكا من سطوة التلصص التي تخصه.


7/(الزغاريد تتبعها الدماء)... {تلصص محايد}.

هنا يعكس السرد التفاصيل الاجتماعية للأفراح، بعدسة تتابع من بعيد دون أن تشارك كأنها ترصد فقط وتنفصل في ذات اللحظة عن ما تراه لتسجله في ذاكرتها غير المهترئة.


8/(ثيمة الموت)... {جدار بلا تلصص}.


يشّتغل قلم الكاتب هنا على ثيمة الموت وتفاصيلها الحزينة، ويتأسى على تفاصيل كثيرة وممكنة كان يمكن أن نعيشها مع من حولنا قبل الرحيل، لكننا في كثير من الأحيان نكتفي بالتلصص عن بعد.


9/(عطبرة وأشياء من الذاكرة)... {تلصص واعي}.


وهنا يعكس الكاتب حياته الجامعية وتفاصيلها ورغم أنه قد درس الهندسة لكنه كان يعيش بتلصص السارد، وهذه ورطة جيل كامل، كثير مننا درسوا الهندسة والطب والعلوم وكان مكانهم الآداب وغيرها ولكن الأمر كما تعرفون.


10/ (في محبة الأصوات)...{تلصص تفاصيل}

الكاتب يتلصص حتى على الأصوات وهي حيلة ليعرف تفاصيل الحكاية بل ليحيياها مع أصحابها ويشاركهم أحزانها ومسراتها وهنا تتضح بؤرة التخلق الفني لدى الكاتب.


11/ (كلمات منسية)..{حيث لا تلصص}.


هنا تهترئ الذاكرة وتنسى كلمات السر بالنسبة للإيميل والفيس بوك، فرغم المحاولات المتعددة لحفظ هذه الأرقام من خلال كتابة الأرقام بتاريخ الميلاد وتاريخ ميلاد الحبيبة أو إسم النادي الرياضي أو اللون المفضل أو أحد الممثلين، ورغم كل ذلك لكن الذاكرة لن تحتفظ بهذه التفاصيل الحسابية، لأن الذاكرة مهيأة أصلا للحكي والتلصص السردي.


12/(لماذا أريد أن أصبح طبيبا) ..{أمنية من أجل التلصص}.


هو يريد أن يكون طبيبا سارداً أو حكاء ليمارس شغف التلصص السردي لا ليمارس مهنة الطب وفي هذا المقطع يكشف لنا ذلك

(وفي الجهة المقابلة لي تجلس زميلتي الجميلة نسترق النظر إلى بعضنا البعض، استشيرها في حالة مريض ما ليس لجهلي ولكن لأسمع صوتها وأرى تقطيبة وجهها حينما تتذكر).

فهو يود أن يتلصص على الصوت والتفاصيل وحتى على الذاكرة.


13/ (إليهم)..{تلصص ذاتي}.

في هذا النص الذي يحكي عن غياب الاحبة والأصدقاء بسبب السفر والاغتراب أو غيره، يعود الكاتب ليمارس التلصص على نفسه (وأنا هنا حيث تركتموني، أتلفت كالمعتوه باحثاً عن سلم حافلة اتشبث به، استجدي السيارات المسرعة أملا في الوقوف لي. أظل مطحونا بين سندان الحزن ومطرقة الانتظار. واجماً في اللا شيء، منكفئاً على آخر حلم يطل من شرفة الحياة).

فحين يفقدنا الوطن الأصدقاء والأحبة نعود إلى الذات لنراها من خلال اللحظة التي نحياها.


•أخيراً:


هذه باكورة ثمر الكاتب عثمان الشيخ والذي ننتظر منه الكثير في خارطة السرد السودانية، نصوص تمتح من الذاكرة وتقول الكثير عن العقدين الماضيين، وفي ذات اللحظة تقول بأن هذا الجيل المارد الذي شب وانتفض من بين الحطام والرماد والفشل، سيكتب ويبدع ويضع بصمته ليقول للذين سبقوه والذين سيأتون من بعده، هكذا عشنا وروينا فالزمن الجميل ليس ما كان فقط، بل ما يكون وما سيكون أيضا.


&عمر أرباب&

Comments 0

التعليقات

الإسم صحيح
الإسم ملطوب
التعليق صحيح
التعليق ملطوب