حوار في الملحق الثقافي لجريدة عمان

نُشر بتاريخ 2025/02/02


نبدأ من إهداء مجموعتك «الخروج من بوابة الجسد».. ما الذي يجمع الأدباء الذين أهديت لهم الكتاب، أحمد أبو حازم، وضياء جبيلي، وخوان خوسيه مياس. ما الذي أستفدته من كل واحد فيهم؟


تعرّفت على أحمد أبو حازم في وقت مبكّر من خلال مجموعته القصصية " يناير بيت الشتاء" وتحديداً نصّ "صورة تذكارية مع غريق" وهو نص يحكي عن شخصين يقومان بغسل الموتى، ويجلسان طول اليوم يحتسيان الشاي وينتظران بفارق الصبر موت أحدهم حتى يحصلا على أجرة غسل الميت، وينتهى النص بطريقة عجيبة حيث تتفكك أعضاء أحد الموتى، ولك أن تتخيّل العوالم التي يمكن أن تدخل فيها بعد قرأتك للنص وانت لا زلت على بوابة كتابة القصة القصيرة. 
أما ضياء جبيلي فتعرّفت عليه في وقت لاحق من خلال مجموعته "ماذا نفعل بدون كالفينو" والتي على بساطته لغتها وعوالمها التي قد تبدو مطروقة إلا أنني كنت أتفاجأ من نهاية كل قصة وطريقة المعالجة التي يقوم بها ضياء لنصوصه. أتذكر نصه الذي يتماهى مع المثل الشعبي " الطيور على أشكالها تقع" فعل فيني هذا النص الذي لا اذكر عنوانه فعل السحر وجعلني انظر الى أي معالجة سردية بطريقة مختلفة.

صورة شخص ما
ميّاس هو آخر من تأثرت به، وذلك من خلال مجموعته "الأشياء تنادينا" ويمكنني تلخيص تأثيره عليّ في أنه جعلني انظر لأي حدث صغير وتافه وعابر كمشروع لقصة قصيرة. ووجدت عنده القصة القصيرة سريعة وخاطفة وبسيطة ومخادعة، لا يكترث كثيراً لطولها او قصرها أو موضوعها.
والقارئ للمجموعة خاصتي "الخروج من بوابة الجسد" قد لا يجد تأثيرهم بشكل مباشر "النعل حذو النعل" ولكن أقول وبكل شجاعة أني ما كتبت نصاً إلا استحضرت عوالم أو آثر واحداً منهم.


تحكي القصة الأولى «فأر المكتبة» عن تلك العلاقة التي نشأت بين الفأر والراوي، وقد انتهت بشكل كافكاوي إذ اختفى الفأر، بينما تحول الراوي إلى فأر، يطلق نفس صوته، ويقرض أوراق الكتب، لم تستغرق القصة كثيراً في تفصيلات العلاقة بين الإنسان والحيوان، وبدا أنها تعتمد في نهايتها على المفارقة، هل تريد القصة أن تقول إن إنسانية الإنسان أو حيوانيته يستمدها من الطريقة التي تتعامل بها مع الكائنات الأخرى؟ خاصة وأن قصة «لبان.. حلاوة.. مناديل ورق» تتماس مع هذه القصة باستثناء استبدال الفأر بفتى المناديل؟


بدايةً، هذه قراءة ذكية للنصّين عزيزي حسن، لم انتبه لها، ربما لأني دائماً ما أحاول ترك التأويل للقارئ. وأقول أن ترتيب النصوص داخل المجموعة لم يخضع لأزمنة كتابتها أو عوالمها أو شخوصها. ولديّ قناعة أن أبطال الشخصيات أذكياء ومتحوّلون ولعل كتاب "البطل بألف وجه" لجوزيف كامبل" قد ذكر هذه النظرية، فلربما كان بطل فأر المكتبة هو الفتى بائع المناديل وهو القاتل في الخامسة والعشرين وهكذا.


الفأر في نفس القصة أجهز على أعمال لكافكا وكارلوس زافون وألبير كامو، واختيار هذه الأسماء في رأيي لم يكن عشوائياً، وما يجمع بين أعمالهم هي الغرابة والعبث والخيال كما حدث لبطل قصتك نفسه.. ما رأيك؟


صحيح. هذا ما حدث بالضبط، ولعلّك تعرف أن ما يُسمى بـ"ثقافة النص" أمر ضروري في كتابة القصة حتى تكون أكثر دقة، وايضاً لتنقل القاريء من عوالم النص إلى البحث عن نصوص أخرى تتقاطع مع عوالم النص المكتوب. مع اختلاف مستوى الكتابة. 


«قاتل في الخامسة والعشرين» تحكي عن راو، وهو في نفس الوقت كاتب، يكتب قصة بطل لا يطاوعه، ويحاول الكاتب قتل بطله، لكنه يتراجع ويمنحه فرصة أخيرة، وبالتالي يمحو القصة ليكتبها من جديد، ما الذي يمكن أن يقوله البطل في هذه الحالة لو أتيح له أن يخاطب كاتب القصة؟


لو سُئلت عن أقرب قصة لي في هذه المجموعة فستكون "قاتل في الخامسة والعشرين" أشعر بإنتماء غامض ومريب نحوها، ويتملكني شعور طاغي كلما قرأتها او تذكّرتها. فكّرت أنا -كاتب القصة- في مسحها والتخلّص منها، ولكن ذاك الشعور جعلني اتركها، لا أدري هل لاني البطل الحقيقي لها؟ أم حالة البطل تشبهني؟! أم هو أمر آخر سأكتشفه لاحقاً. ويبدو لي أن البطل لو اتيحت له فرصة التحدّث مع كاتب القصة فسيقول له: اقتلني.


«جدتي وسطل القهوة» قصة تنتهي كما بدأت بعدم انكشاف السر. ما الفلسفة التي حكمت نهاية القصة؟ ولماذا ماتت الجدة وقد كان يمكنها أن تعيش ولا تخبر حفيدها بسر وصيتها، ألا يدلق بقايا القهوة، كما فعلت في بدايات القصة؟ ولماذا كان متوقعاً موتها؟ ولماذا اخترت شكل اللعب على تيمة المفارقة في المجموعة بشكل عام؟


لعّل التصدير بمقوله الارجنتيني خوليو كورتثار -وهو من أجمل من قرأت قصصهم- يفسّر كل هذه الإشكالات. وأنظر لنهاية القصة بذات طريقة بدايتها، طمعاً في فتح افاق تساؤل أوسع للقاريء حول مصير بقايا القهوة وغيرها من المُسلّمات الاجتماعية التي لا نستطيع فك طلاسمها، ومُجرّم إلى حد كبير التساؤل حولها.
اما تيمة المفارقة في نصوص المجموعة فهو يفسّر فهمي للقصة القصيرة في هذه المرحلة والتي أرى انها من الضروري أن تخلق لدي قارئها دهشةً وغرابةً وصدمةً في نهايتها. وربما تَحوّل هذا الفهم في المستقبل أو ربما لا يتحوّل.


«وجه أمي» هل تمثل تلك القصة معنى قتل الأب في الأدب؟ ولماذا لم يحاول الراوي التحاور مع الأعرج ليكتشف إن كان هو قاتل أمه قبل أن يتسبب ذلك الراوي في قتله بدوره؟ 


دعنا هنا نكشف قليلاً من كواليس كتابة المجموعة، فهذا النص هو أول نص كتبته، خرج دفعة واحدة ولم ارجع له، كان ذلك تحت وطاة قصة عاصفة ذكرها لي أحد الاشخاص، وبعد قراءت كثيفة في القصة القصيرة، ولا أستطيع الجزم بشكل دقيق لماذا كتبته بهذه الطريقة. وعندما قدّمته إلى مسابقة الطيب صالح للشباب حصل على شهادة تقديرية، وهو أمر بقدر ما اسعدني ولكن في ذات الوقت جعلني أُحجم عن النظر أكثر في مصائر من بالقصة، وادعهم ليحددّوا مصائرهم. 


بعض القصص تتصدرها مقاطع شعرية، وبعضها الآخر ينطلق من أشكال ولغة أقرب إلى الشعر، مثل قصة «انتقال» إذ تفترض أن البطل صارت له ثلاثة ظلال تشاركه تدخين سيجارة واحدة، كما أن تمهيد قصة «استغلال» يشبه قصيدة نثر بل إن موضوعها أقرب إلى الشعر، وهو يعكس قصة شجار بين ألوان تستغلها البطلة في تجميل وجهها كلما خرجت إلى العمل أو كلما اقترب موعد نومها. إن اقتربت القصة من حدود الشعر فهل تقترب بحساب؟


هذا سؤال ممتاز؛ لأني بالاساس شاعر. واقول على سبيل السخرية اني تركت كتابة الشعر إلى القصة القصيرة حتى أستطيع قتل حبيباتي وأن الشعر يورث الفقر. 
ولكن أنا من المؤمنين بتناسل وتناسخ الاجناس الكتابية، ولا أضع حدوداً بينها ألا تلك التي نستطيع فيها التفريق بين قصيدة النثر والقصة القصيرة. ما دُمنا نعبّر عن ذات المشاعر وذات الانسان وبنفس اللغة، فما جدوى الحدود بينها. هذا غير ايماني بأن بعض القضايا تختار قالبها الكتابي، والابطال مراوغون فمن افلت من قصة قصيرة لابد أن يقفز في مقطع شعري وهكذا. 


القصص تبدأ بتمهيد، عبارة عن مقولة لأحد الأدباء أو الفلاسفة، ألم تخش أن تكون كثرة الإحالات عبئاً على النص؟


طبعاً، ولكن لابد من المجازفة، لاني أجد التدرّج في تقديم النص للقاريء أمر جيد. فإن كان عنوان النص عتبة أولى للدخول إليه، والتمهيد الاقتباسي - إن صحّت التسمية - هو عتبة ثانية، والسطور الثلاثة الأولى في القصة هي عتبة ثالثة، فهذه ثلاثة مداخل إما زادت من لهاث القاريء لإكمال القصة أو جعلته يهرب سريعاً من قراءتها.


اللغة وإن اقتربت بلمحات بسيطة من المجاز فإنها لغة بسيطة فهل هذه رؤيتك للغة القصة القصيرة أم أن الأمر قد يخضع للتجريب والتغيير في المستقبل؟


ما اللغة ألا جندي في معركة الكتابة، إن ارتفعت صار النص أقرب للشعر والنثر، وإن انخفضت صار النص أقرب للمقال أو التقرير. ويبقى من المهم هنا أن يتحكّم الكاتب في هذه المعركة. لا اقول  أن اللغة عنصر غير أساسي في القصة، ولكنه عنصر مراوغ إن افلت منك فسيكون ذلك على حساب عناصر القصة الأخرى.
في قصة «الخروج من بوابة الجسد» انتقلت لأول مرة إلى ضمير المخاطب، فهل لأنه الضمير المناسب للحدث السياسي «الثورة» أم لأن البطل الأساسي الذي تتم مخاطبته سيموت برصاصة مع السطر الأخير؟
قصّتي "الخروج من بوابة الجسد" و "غطاء صوفي ثقيل" استخدمت فيها ضمير المخاطب، أولاً على سبيل تجريب صوت راوي مختلف، وثانياً لانّ موضوعهما بدأ لي أكثر خصوصية، فأثرت أن أخاطب القاريء مباشرة من السطر الأول حتى اضمن وجوده معي. وهي احدى حيل الكتابة.


من الكتاب الذين تأثرت بهم عربياً وعالمياً.. وما تأثير دراستك للهندسة عليك ككاتب وإنسان؟


بدايتي مع القراءة كانت تعتمد بقدر كبير على المتوفّر أمامي من الكتب، نسبة لنشأتي في قرية نائية والتي يكاد وجود كتاب فيها أمر نادر، ولكن القدر الضئيل من الكتب الذي وجدته شكّل ملامح قراءتي فكان صالح مرسي ونجيب محفوظ وماركيز وجبرا إبراهيم جبرا. ولكن في الوقت الراهن اجد نفسي اكثر تأثراً بكتاب أمريكا اللاتينية. وكل ما  يكتب في هذا العالم أجد أن هناك مسؤولية نحوه.
أما الهندسة فهي وظيفة فرضتها ظروف معقدة ترتبط إلى حد كبير بالمحيط الاجتماعي ورغبة الأسرة والنسبة المئوية التي حصلت عليها في الشهادة السودانية. مارست الهندسة ولا زلت وأجد نفسي جيداً فيها بحسب من عملت معهم. أما الكتابة فهي "صِنعة" وهذا التعبير أجده دقيق جداً وسمعته عند الأحباب في مصر، الصنعة تستوجب الدِقة والتدريب والصقل والمهارة والتجريب، على عكس الهندسة التي تبدو أقرب إلى تطبيق نظريات موضوعة مسبقاً. ولكن أقول دائماً أن الكتابة ستنتصر على الهندسة مستقبلاً.


لماذا لم يظهر تأثير المكان قوياً في هذا العمل، وكانت روحه أقرب إلى التجريد رغم وجود أشخاص من لحم ودم فيه؟


المكان أيضاً عنصر ربّما لو طغى على النصوص لتحوّلت المجموعة إلى أدب رحلات. وربما حاولت تحقيق كونية القصة بحيث لو قرأها أي شخص في العالم لا يشعر بتحييد.


ومن الأقرب إليك من الكتاب السودانيين ولماذا؟ ومن جيلك؟ وما وجه التواصل مع الأجيال الأقدم؟


مثلي مثل أبناء جيلي تشكّل وعينا بالقصة القصيرة عبر القراءة لمعاوية محمد نور وعلي المك والطيب صالح وبشرى الفاضل ويحي فضل الله والهادي علي راضي وغيرهم، لأن مشاريعهم أقرب إلينا وجدانياً ونتشارك البيئة والنشأة  والثقافة والظروف المكانية والزمانية. أما ابناء جيلي فإبراهيم مكرم وحفيظ الحاج وطلال الطيب وايمن بيك ويس المك وغيرهم ارتضينا المجازفة وشق الطريق؛ مُحمّلين بقضايا وثقافة وقراءات وجرأة أكبر في التناول ممن سبقونا. ووجه التواصل يتمثّل في الوعاء العام "الكتابة" والوعاء الخاص "القصة القصيرة". 


وما طموحك للكتابة؟


هذا اصعب سؤال في هذا الحوار الماتع، والإجابة عليه مُلغزة ومجهولة بالنسبة لي، ولكن يمكنني القول بأني طموحي في الكتابة ألا أترك فكرة إلى الغد، وعندما أموت أتمنى أن أكون كتبت كلما يدور في ذهني من أفكار.

Comments 3

التعليقات

أبوبكر

2/2/2025

تعليق ما

أبوبكر

2/2/2025

في عالم التقنية الحديثة، أصبحت البرمجيات والتطبيقات جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية. تقدم التكنولوجيا اليوم حلولًا مبتكرة تسهم في تحسين جودة الحياة وزيادة الإنتاجية. من خلال استخدام الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذكية، يمكن للشركات تبسيط العمليات وتقديم خدمات أسرع وأكثر كفاءة.في عالم التقنية الحديثة، أصبحت البرمجيات والتطبيقات جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية. تقدم التكنولوجيا اليوم حلولًا مبتكرة تسهم في تحسين جودة الحياة وزيادة الإنتاجية. من خلال استخدام الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذكية، يمكن للشركات تبسيط العمليات وتقديم خدمات أسرع وأكثر كفاءة.في عالم التقنية الحديثة، أصبحت البرمجيات والتطبيقات جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية. تقدم التكنولوجيا اليوم حلولًا مبتكرة تسهم في تحسين جودة الحياة وزيادة الإنتاجية. من خلال استخدام الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذكية، يمكن للشركات تبسيط العمليات وتقديم خدمات أسرع وأكثر كفاءة.في عالم التقنية الحديثة، أصبحت البرمجيات والتطبيقات جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية. تقدم التكنولوجيا اليوم حلولًا مبتكرة تسهم في تحسين جودة الحياة وزيادة الإنتاجية. من خلال استخدام الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذكية، يمكن للشركات تبسيط العمليات وتقديم خدمات أسرع وأكثر كفاءة.في عالم التقنية الحديثة، أصبحت البرمجيات والتطبيقات جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية. تقدم التكنولوجيا اليوم حلولًا مبتكرة تسهم في تحسين جودة الحياة وزيادة الإنتاجية. من خلال استخدام الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذكية، يمكن للشركات تبسيط العمليات وتقديم خدمات أسرع وأكثر كفاءة.في عالم التقنية الحديثة، أصبحت البرمجيات والتطبيقات جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية. تقدم التكنولوجيا اليوم حلولًا مبتكرة تسهم في تحسين جودة الحياة وزيادة الإنتاجية. من خلال استخدام الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذكية، يمكن للشركات تبسيط العمليات وتقديم خدمات أسرع وأكثر كفاءة.في عالم التقنية الحديثة، أصبحت البرمجيات والتطبيقات جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية. تقدم التكنولوجيا اليوم حلولًا مبتكرة تسهم في تحسين جودة الحياة وزيادة الإنتاجية. من خلال استخدام الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذكية، يمكن للشركات تبسيط العمليات وتقديم خدمات أسرع وأكثر كفاءة.

خالد

2/2/2025

حوار شيق

الإسم صحيح
الإسم ملطوب
التعليق صحيح
التعليق ملطوب