نخلتان بحجم ذاكرة المونديال

نُشر بتاريخ 1447‏/07‏/29



لا أظن أن فكرة إزعاج طفلٍ لم يُكمل عامه التاسع بعد كانت تدور في ذهن زين الدين زيدان، ذلك الطفل الذي لم تتجاوز أقصى رحلاته خارج بيته المستشفى العام في سوق المدينة، حينما أصابته حُمّى الملاريا اللعينة، أو محلات الملابس الجاهزة في السوق ذاته قبل العيد بيومين أو ثلاثة؛ لكسوته في آخر عامين من عمره. لكن سحرته تلك الشاشة الصغيرة التي يرى فيها العالم عبر لونين فقط: الأبيض والأسود. جال عقله المتوقد بالأسئلة: لماذا لونان فقط؟ ثم تجاوزها واكتفى بالألوان الأخرى التي تملأ فناء بيته والشوارع المحيطة به.


ففي اللحظة التي رفع فيها جورج كاييف الكرة واستقبلها لاعب المنتخب الفرنسي الماهر زيدان برأسه، لتستقر في شباك الحارس البرازيلي تافاريل في نهائي كأس العالم 1998؛ ابتسم الرئيس الفرنسي جاك شيراك في أعلى مقصورة الملعب، وغضب الطفل الجالس على أرضية الغرفة الترابية أمام الشاشة الصغيرة ذات اللونين الأبيض والأسود يشجّع منتخبه الذي أحبه، والذي لا يدري إلى الآن لماذا شجّعه تحديدًا آنذاك ولا يزال يشجّعه حتى اليوم. لم يبدد غضبه بعد صافرة النهاية إلا نداء والده له، وهو يحمل نخلتين نُقلتا من الحقل القريب، لتستقرا في وسط المنزل.

على الرغم من تشاؤمه من النخلتين، فإنه بعد أربع سنوات أعاد له الظاهرة رونالدو الفرح حين فاز على ألمانيا في نهائي كأس العالم 2002، وكان وقتها أكثر نضجًا، فعرف لماذا يشجّع البرازيل دون سواها من المنتخبات. وفي المونديال الذي تلاه، وفي ذات المناسبة "المباراة النهائية"، غضب مرة أخرى من زيدان ومن "رأسيته" التي لم تستقر في شباك جيانلويجي بوفون، بل في صدر ماركو ماتيرازي؛ لأنه لم يحب المنتخب الإيطالي أيضًا، ولسبب لا يعرفه أيضاً.


تكاد تكون هذه كل ذاكرته عن كأس العالم في نسخه الأولى التي شاهدها، فقد دخل إليه من "رأسية زيدان" وخرج منه برأسيته، وبعدها لا يتذكّر شيئًا من الدورات اللاحقة سوى خيبات الخروج المتكرر للبرازيل.


في العام الماضي 2022، وبعد عشرين عامًا من دهشته الأولى، ولسببٍ مجهولٍ عاد إليه شغفه القديم بمتابعة مباريات المونديال، وبذات الحب القديم لأصحاب الشعار الأصفر والأزرق "منتخب البرازيل".

لا تزال النخلتان تُثمران كل عام، لم تسقط إحداهما، ولم تنبت إلى جوارهما ثالثة.

Comments 0

التعليقات

الاسم صحيح
الاسم مطلوب
التعليق صحيح
التعليق مطلوب