قصص ونصوص

فأر المكتبة (قصة قصيرة)

Osman Osman
1446‏/09‏/24 3 دقائق للقراءة 720 مشاهدة
فأر المكتبة (قصة قصيرة)

فأر المكتبة


(أنشئْ مكتبة ولو من ثلاثة كتب، وستقاوم جزءًا من قبح العالم) بورخيس

 

منذشهر مضى بدأ ينتابني شعور بأني لست وحدي داخل غرفتي الضيقة، أحس  برائحة غريبة تعم المكان، وأصوات خشخشة خفيفة تتسربمن تحت الأثاث المُتراكم، في الجهة التي تقع فيها مكتبتي الصغيرة. حاولت جاهداً معرفةمصدرها، وتمييز ذلك الصوت الغريب، لكن فَشلت.

تضاعفإحساسي بالأمر بعدما لاحظت وجود فضلات غريبة، ذات أحجام صغيرة  بمقدار حبة القمح، مائلة إلى السواد وشكلها شبهمُستدير. وجدتها بالقرب من الركن الأيسر للمكتبة وجوار السرير الذي أنام فيه. وحينماراقبت هذه الأماكن جيداً تأكدت من أنه فأر.

فأرله أسنان بارزة مثلي تماماً، يحرّك رأسه بعصبية في أكثر من اتجاه وفي ذات اللحظة، مُعتمداًعلى أربعة أطراف صغيرة في حركته، ينزلق بسرعة على أرضية الغرفة السّراميكية؛ تساعدهنعومة السطح على ذلك.

خفيفاًفي حركته، ينتقل من أسفل الدولاب الخشبي، ويعبُر من تحت سريري إلى داخل المكتبة بمرونةعالية، مطلقاً صوته المميز (صو صو صو).

وأناأراقبه بإعجاب؛ وكأنه يستعرض نفسه أمامي، يتكرر هذا الأمر مرتين في اليوم.

صرنانألف بعضنا البعض، فعندما أضيء المصباح الكهربائيصباحاً يطل برأسه الصغير ويلقي عليّ تحية الصباح. يختبئ بعدها ولا أراه مجدداً. وحينماأخرج إلى عملي أترك باب الغرفة موارباً والذي اعتدت أن أغلقه في أوقات سابقة، فلربماكانت له عشيقة يريد مقابلتها أو أهل يودُّ زيارتهم.

وحينعودتي في المساء أجده يمارس قلقه القديم، ينزلق على الأرض بخفة، يحرك رأسه الصغير بتوتّر،يشمشم الكتب والأحذية، يقضم قضمات متوالية من الأوراق التي حوله.

في الأيامالتالية انتقلت العدوى إلى أبعد من ذلك، حيث بدأ يقضم الكتب، وكان أول ضحاياه، كُتبأنطوان تشيخوف، ومن بعده كِتاب الأعمال الكاملة لكافكا، ثم رواية ظل الريح، ثم انتقلالى ألبرت كامو وتحديداً روايته الطاعون. يقضم أطرافها حين أغيب، ويختلس النظر إليّوأنا أقرأ فيها، وكثيراً ما كان يقَضم من ذات الصفحة التي أقرأ فيها.

فكرتمرةً في مخاطبته والتحدّث إليه، ولم أجد سوى أن أقول له (صو صو صو) هذه المناداة التيأختزل فيها كل تعابيري الخاصة نحوه. فبها ألومه على قضمه للكتب أو أُظهر له حزني اذاغاب، وأمازحه كلما عبر أمامي، أو لمس إصبعي الصغير.

مرتأيام ونحن على هذا الحال، حتى فقدته بالأمس؛ لأنه لم يُلقِ عَليّ تحية الصباح؛ قَدّرتأنه ذهب لمكان ما وارتضيت بهذا التفسير. راقبت الكتب الموجودة أسفل المكتبة فوجدتهاسليمة وخالية من القضم. لم أجد أثراً لفضلاته في مكانها المعتاد، والتي تعودتتنظيفَها بلا ضجر، حتى عند المساء لم أجد لها أثراً، لم استمع لصوصواته التي يطلقهاباستمرار، وحزنت لذلك كثيراً، بدأت أحرك رأسي بعصبية غير معتادة وفي كل الاتجاهات.

وفيمقبل الأيام لاحظت في أشياء غريبة، فعندما أدخل الغرفة أنزلق انزلاقاً على أرضيتهاالسراميكية، علاوة على ذلك أقضم أجزاء كبيرة من الكتب بدلاً من قرأتها، وحينما نادتعليّ أختي الصغرى أجبتها بـ(صو صو صو).

 

 

 

 

 

 

الوسوم: #nbsp #المكتبة #فأر #فيها #ذلك
تعليقات 0

مقالات ذات صلة

نخلتان بحجم ذاكرة المونديال

لا أظن أن فكرة إزعاج طفلٍ لم يُكمل عامه التاسع بعد كانت تدور في ذهن زين الدين زيدان، ذلك الطفل الذي لم تتجاوز أقصى رحلاته خارج بيته المستشفى العام في سوق المدينة، حينما أصابته حُمّى الملاريا اللعينة، …

Views 820
Comments 0
downward arrow
غطاء صوفي ثقيل (قصى قصيرة)

غطاء صوفي ثقيلإلى الحبيب/ حفيظ الحاجأهدي هذا النص(1)الساعة الآن العاشرة مساء وأنت محشو داخل غطائك الصوفي الثقيل، على سريرك المهترئ في باحة المنزل، توزّع نظراتك بين شاشة هاتفك البطيء وصفحة السماء الصاف …

Views 725
Comments 0
downward arrow
حكاياتهم (فصل من كتاب تلصص)

حكاياتهم(1)النـاسُ هـنـا لم تنالهم يدُ الصّيرورة، على حالهم منـذ آخـر مـرة تركتهـم فيهـا، وكأن ملامحهـم حنّطها الزمن، لم يتغيّر منهـم شيء، ذات التجاعيد الوسيمة تكسو وجوههـم القاسية، نُحتـت بأزاميـل ال …

Views 999
Comments 2
downward arrow

التعليقات 0

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق على هذا المقال!

أضف تعليقاً